عددهم 200 ألف نسمة يجنون 7.7 مليارات دولار سنوياً

العرب الأميركيـون ينقذون مدينة ديترويت من الزوال

ديترويت من أكثر المناطق اجتذاباً للعرب من منطقة الشرق الأوسط. غيتي

كانت ديترويت من المدن الأميركية المزدهرة، لكنها الآن ليست كذلك في الوقت الذي بدأت فيه تضمحل وتنكمش على ذاتها، وتتكشف هذه الحقائق في مكتب عمدة المدينة، ديفي بينغ، الذي يعلم ان اضمحلال عائدات الضرائب وغيرها، من الأسباب التي حدت من قدرة المدينة على توفير الخدمات لسكانها، الذين بدأوا يغادرونها إلى مدن اخرى.

إلا أن بعض السكان، لاسيما العرب منهم، ينظرون إلى الأمر من منظور مختلف، ولدحض المزاعم بأن المدينة آيلة للزوال يقول نافع خلف، الذي أسس عمله الخاص به المتمثل في بناء شبكات المياه والأعمال الأخرى العامة، إنه كان يسمع الناس يقولون ان المدينة تنكمش وتضمحل وتموت منذ ان جاء الى هذا المكان عام ،1999 ويضيف «كان الناس يقولون لي ان المدينة تموت، لا تنشئ عملك هنا اذهب إلى مكان آخر».

لكنه اكتشف انه منذ أن أنشأ شركته «ديترويت للمقاولات» بدأت الشركة في التوسع والازدهار، وتوظف هذه الشركة 23 عاملاً وتبلغ ايراداتها في العام اكثر من 20 مليون دولار، ويقول إن 90٪ من اعماله في ديترويت، ويتساءل بحماسة «هل يدل كل ذلك على ان المدينة تتلاشى؟».

هذه المدينة منحت لخلف فرصاً ما كان يحلم بها، كما يعتقد، في بلده العراق الذي هاجر منه للالتحاق بجامعة ولاية وين عام 1986 ليدرس الهندسة، ولم يعد إلى العراق منذ ذلك التاريخ.

حلم

يقول خلف بفخر «إذا أردت أن تعرف ما اذا كان لديترويت مستقبل اسألنا نحن العرب». وهناك ايضا سامي، اللاجئ العراقي، الذي وفد هذا العام الى اميركا في خضم الجدل الدائر حول مسجد «غراوند زيرو»، وعلى الرغم من انزعاجه من هذا الجدل الا انه واثق انه سيجد عملاً مناسباً له في مدينة ديترويت، ويفكر سامي «سأعمل لعامين هنا ثم افتح مما وفرته مطعم كباب خاصاً بي، ثم أنتشر في كل اجزاء اميركا»، ويقول مازحاً «اذا كان لدى (ماكدونالد) مطاعم في جميع ارجاء الوطن العربي فلماذا لا يكون لي مطاعم كباب في جميع اجزاء اميركا؟».

خلف وسامي يتحدثان نيابة عن جالية لاتزال تنمو وتزداد ثراءً على الرغم من اندحار مجد مدينة ديترويت، التي تعتبر من اكثر المناطق اجتذاباً للعرب من منطقة الشرق الأوسط. هذه المنطقة التي تقع في نطاق جنوب شرق ميتشغان يصل عدد سكانها من الشرق الأوسط الى 200 الف نسمة. وفي مدينة ديربون القريبة التي تعد موطن سيارات فورد، نجد ان ثلث السكان ينحدر من اصول شرق اوسطية، من بينهم ريما فقيه اول ملكة جمال اميركية من اصل عربي.

وبالنسبة لديترويت، المدينة ذات الوضع الحرج، فإن هذه الدماء الجديدة من شأنها ان تجعل الأمر مختلفاً. وهذا التأثير ذو شقين: أولاً ان المدينة في اشد الحاجة الى مواطنين جدد في الوقت الذي تشكو فيه من النزوح الجماعي للطبقة الوسطى بالنسبة للبيض والسود على السواء، وهي ايضا في حاجة الى زخم اقتصادي من اجناس يرغبون في مباشرة اعمال جديدة هناك.

وتصل قيمة ما يحصل عليه العرب الأميركيين سنوياً في ديترويت الى 7.7 مليارات دولار في العام، في ما يتعلق بالرواتب والدخل، وفقاً لدراسة اجرتها جامعة وين عام .2007 ويتجاوز ذلك بمرتين مقدار الموازنة السنوية للمدينة.

قاعدة انطلاق

تعد قصة عرب ديترويت أكثر تعقيداً، إذ إن العرب الشرق أوسطيين لم يفدوا الى هذا المكان منذ عهد قريب، او انهم لم يفدوا من مكان واحد، فالمدينة كانت تستقبل العديد من الجاليات الشرق أوسطية كل جالية تحمل حلمها الخاص بها. وقد وظف فورد في مصنعه آلاف اللبنانيين واليمنيين واخرين من دول الإمبراطورية العثمانية القديمة، الأمر الذي منح الشرق الأوسطيين المهاجرين قاعدة جيدة للانطلاق من هناك الى بقية اجزاء الولايات المتحدة الأميركية. وكان معظم المهاجرين الأوائل من المسيحيين العراقيين والدروز اللبنانيين، وحديثاً جدا حملت موجات الهجرة بعض المسلمين الذين جاءوا الى هنا هرباً من الحروب الأهلية او للبحث عن التعليم او فرص اقتصادية جيدة.

ويقول رئيس غرفة التجارة الأميركية العربية، احمد شيباني، ان اكثر من 15 ألفاً من مؤسسات الأعمال في المدينة يملكها شرق أوسطيين. والى الغرب من مدينة ديترويت على طول شارع وارن لا يستطيع المرء ان يعرف ما اذا كان حقاً في مدينة ديربورن ام في مدينة عربية، إذ تغص المتاجر بالزبائن العرب والعديد من اللافتات في المتاجر باللغة العربية.

ويقول عمدة المدينة، جون بي اورايلي، إن عدد الأفراد في مدينة ديربورن يصلون خلال النهار الى ثلاثة اضعاف بفضل الأعمال والمتاجر، الا ان هذا الملمح من الثراء يعتبر جديداً على المدينة نسبياً، ففي سبعينات وثمانينات القرن الماضي، عانت ديترويت جراء نزوح السكان البيض عنها، اذ نزح العديد من العوائل بعيداً عن ظل مصنع فورد للسيارات الذي يعتبر الأساس الاقتصادي للمدينة.

نظرة مستقبلية

متطلبات ثقافية للمسلمين

لم يكن دكتور عصام باديلا، البالغ من العمر 30 عاماً، والعامل في المركز الطبي بجامعة ميتشغان طبيب طوارئ فقط، لكنه ايضا عالم في مجالات اخرى، اذ انه حائز درجة جامعية في اللغة العربية وآدابها، وايضا درجة في هندسة الطب الإحيائي. ودكتور باديلا رجل مسلم مولود في نيويورك لأم وأب باكستانيين، ويركز على الممارسات الطبية الإسلامية والتحديات الطبية التي يفترض ان ينتهجها الطب للتعامل مع المسلمين والعرب في الولايات المتحدة الأميركية.

وتعيش في ميتشغان جالية مسلمة كبيرة لاسيما في منطقة مدينة ديترويت. ويطرح باديلا سؤالاً ـ خلال دراسة له ـ على مجموعة من 102 مسلم اميركي عربي ومن جنوب شرق اسيا وإفريقي اميركي «ماذا تفعل اذا تم منحك 100 الف دولار من اجل تحسين النظام الطبي؟»، وكانت الإجابات الثلاث الرئيسة تتمثل في: توفير الطعام الحلال، منع اختلاط الجنسين في المستشفيات، احترام الحساسية الثقافية.

ويقول باديلا ان المجموعة تركز على توفير الطعام الحلال في المستشفيات لأنها ترى ان المريض يكون في وضع صحي افضل مع تناولها، اما في ما يتعلق بالسؤال الثاني فإن باديلا لا يقترح ان يكون هناك اماكن منفصلة في المستشفيات للذكور والإناث كما الحال في البلدان المسلمة، ولكنه يقترح ان يكون هناك ادراك جيد لخصوصيات المرضى من المسلمين. وذكر باديلا حالتين في مقال له في مجلة «جورنا اوف ميديكال اثيكس»، ففي الحالة الأولى كانت هناك مريضة مسلمة ترتدي حجاباً و تشكو ان الطاقم الطبي كثيراً ما يكشف رأسها لوضع ثيرموميتر في أذنها، ويقول تمكن معالجة هذا الأمر بدلاً من ذلك من خلال وضع ثيرموميتر في الفم. وفي الحالة الثانية كان هناك مريض مسلم قلق من استخدام احدى الطبيبات يديها لمعالجته معالجة طبيعية، ويقول باديلا انه يمكن للطبيبة ارتداء قفازات.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميتشغان في ديربورن، رونالد استكتوم، كان قد وفد الى المدينة في ذلك الوقت، ويتذكر كيف ان الشوارع كانت مهجورة وتنمو الأعشاب من دون الاعتناء بها في الحدائق العامة والمنازل المهجورة، ولكن لم تستمر الحال على هذا النمط عندما استغل العرب العاملون في مصنع فورد الفرصة ليشتروا العقارات الرخيصة ويصبحوا من ذوي الأملاك والأعمال في المدينة، وانضم اليهم مهاجرون عرب جاءوا الى هنا هرباً من الحروب الدائرة في بلادهم، مثل الحرب الإيرانية العراقية والحرب اللبنانية الإسرائيلية والحرب الأهلية في لبنان. ويقول استكتوم مازحاً «شكراً لك أيتها الحرب فقد أنقذت المدينة».

وبالنسبة لرجال الأعمال العرب الأميركيين فإن اكثر ما يفكرون فيه هو جلب شيء ذي قيمة اكثر من مطاعم الوجبات السريعة او محطات الوقود، كالتعليم الجيد مثلاً الذي يعتبر سلعة نادرة في المدارس العامة في ديترويت.

نوال حمادة هي الشخص الذي نجح في توفير هذه السلعة، اذ تدير مؤسستها «حمادة للخدمات التعليمية» مدرستين في منطقة ديربورن اضافة الى اكاديمية دولية داخل ديترويت، وتستوعب هذه الأكاديمية 500 طالب اضافة الى قائمة انتظار تتكون من 150 طالباً، وجميع طلبتها من اصول شرق اوسطية.

وتقول حمادة ان الآباء معجبون بالسجل الأكاديمي الجيد للكلية، إذ إن 100٪ من طلبتها يدخلون الكليات والجامعات مع العلم بأن اللغة العربية لغة ثانية ويمكن للفتيات ارتداء الحجاب او الخمار من دون ان يتعرضن لمضايقة. ويركز المنهج على الدراسات الشرق اوسطية ما يسمح للطلبة بالاطلاع على ثقافة آبائهم وفي الوقت نفسه يستطيعون استيعاب الثقافة الأميركية.

طباعة