هنري كيسنجر متحدثاً عن التقنية الجديدة:

العالم في حاجة إلى فلسفة تحكم آثار الذكاء الاصطناعي

صورة

في سن الـ98 أصبح لوزير الخارجية الأميركي السابق، هنري كيسنجر، مجال اهتمام جديد بالكامل: الذكاء الاصطناعي، وأصبح مفتوناً به بعد أن أقنعه الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل»، إريك شميدت، بحضور محاضرة حول هذا الموضوع، خلال مؤتمر بيلدربيرغ عام 2016، وتعاون الاثنان مع عميد كلية ميت سكوارزمان للحوسبة، دانيال هاتنلوشير، لتأليف كتاب يتحدث عن الآثار المترتبة على الصعود السريع للذكاء الاصطناعي، الذي يعتقدان أنه «ينذر بحدوث ثورة في الشؤون الإنسانية»، ويجادل الكتاب بأن الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورياً جداً، ويتداخل بسلاسة في الشؤون الإنسانية، وإنه ينبئ بـ«تحولات قد تصنع حقبة» في حياة الإنسان، والتي قد تقود التاريخ البشري لاتجاه خطير، وفي هذا الخصوص تحدث كيسنجر وشميدت مع مجلة «تايم» عن المستقبل الذي يتخيلانه.

عن التاريخ والذكاء الاصطناعي

وفي سؤال عما إذا كان يعتبر الذكاء الاصطناعي مادة مهمة بالنسبة لكيسنجر، ردّ بقوله «عندما كنت طالباً جامعياً، كتبت أطروحتي الجامعية المكونة من 300 صفحة، التي تم حظرها بعد ذلك مطلقاً، وكانت بعنوان «معنى التاريخ» ، ويسترسل كيسنجر قائلاً، إن موضوع معنى التاريخ والمكان الذي تتجه إليه البشرية احتل معظم حياته، وإن المعجزة التكنولوجية لا تسحره كثيراً، وما يذهله أننا «ننتقل إلى فترة جديدة من الوعي البشري لم نفهمها بالكامل بعد، وعندما نقول فترة جديدة من الوعي البشري فإننا نعني أن التصور عن العالم سيكون مختلفاً، على الأقل بالاختلاف نفسه بين عصر التنوير وفترة العصور الوسطى، عندما انتقل العالم الغربي من تصور ديني للعالم إلى تصور العالم على أساس العقل، لكن ببطء، لكن هذا الانتقال الجديد سيكون أسرع».

ويعتقد أن هناك اختلافاً واحداً مهماً، ففي عصر التنوير كان هناك عالم مفاهيمي قائم على الإيمان، وهكذا كان لغاليليو ورواد عصر التنوير الراحلون فلسفة سائدة، كان عليهم اختبار تفكيرهم على أساسها، ويمكن تتبع تطور هذا التفكير على هذا المنوال، «لكننا الآن نعيش في عالم ليس له فلسفة في الواقع، لا توجد وجهة نظر فلسفية سائدة، لذلك يمكن للتقنيين أن يكونوا جامحين، ويمكنهم تطوير أشياء تغير العالم، ولا يوجد أحد ليقول: علينا دمج هذا في شيء ما».

الذكاء الصناعي مهدد للحضارة

يقول في هذا الصدد «لم أكن أريد أن تحتكر منظمة واحدة توفير المعلومات، اعتقدت أن من الخطير للغاية أن تكون إحدى الشركات قادرة على توفير المعلومات، ولديها القدرة على تعديل ما تقدمه من دراسات للجمهور، لذلك أصبحت الحقيقة نسبية، كان هذا كل ما كنت أعرفه في ذلك الوقت، والسبب في دعوتي للقاء فريق الخوارزميات الخاص بشميدت، هو جعلي أفهم أن ما تقدمه شركته ليس إجبارياً، لكن كل ما يتم تقديمه كان وراءه بعض التفكير والتحليل، لكن ذلك لم يعتقني من خوفي من امتلاك منظمة، خصوصاً واحدة، لتلك القوة». وفي سؤال عن رأيه بشأن المضمون الجيوسياسي الأساسي لتطور الذكاء الاصطناعي، ردّ قائلاً إنه لا يعتقد أن البشرية قد فحصت هذا الجانب بعناية حتى الآن، و«إذا تخيلت حرباً بين الصين والولايات المتحدة، فلديك أسلحة ذكاء اصطناعي، لكن مثل كل ذكاء اصطناعي فإن هذه التقنيات ستكون أكثر فاعلية في ما يتم التخطيط بشأنه، وقد تكون أيضاً أكثر فاعلية في ما تعتقد هذه الآلات أنه الهدف المقصود، وبالتالي إذا قلت أنت إن هذا هو الهدف الذي أريده، فقد تقرر هذه التقنيات أن شيئاً آخر يلبي معاييرها بشكل أفضل، إذن أنت في عالم من عدم اليقين الطفيف.

ثانياً، نظراً إلى عدم قيام أحد بالفعل باختبار هذه الأشياء على عملية واسعة النطاق، لا يمكنك معرفة ما سيحدث بالضبط عندما تتفاعل الطائرات المقاتلة من كلا الجانبين، إذن فأنت في عالم يحتمل أن يكون مدمراً بالكامل مع عدم اليقين بشأن ما تفعله.

ويقول كيسنجر إن الحرب العالمية الأولى كانت على هذا النحو تقريباً، بمعنى أن الجميع خططوا لسيناريوهات تعبئة معقدة للغاية، وكانوا مهيأين بدقة بأنه بمجرد أن يبدأ هذا الشيء لن يتمكنوا من إيقافه، لأنهم سيضعون أنفسهم في وضع سيئ.

ويسترسل كيسنجر: «لقد تم تعليم الكمبيوتر التفكير العميق في لعب الشطرنج، من خلال اللعب ضد نفسه لمدة أربع ساعات، وخوض لعبة شطرنج لم يرها أي إنسان من قبل، أفضل أجهزة الكمبيوتر لدينا تتفوق على الإنسان في بعض الأحيان، وإذا حدث هذا في مجالات أخرى، كما هي الحال في الوقت الراهن، فهذا شيء لم يستعد له عالمنا على الإطلاق».

وفي سؤال عن أن أحد الأشياء التي كتب عنها كيسنجر هو كيف أن للذكاء الاصطناعي نوعاً من الجوانب الجيدة والسيئة، فماذا يقصد بذلك؟ يقول: «حتى الآن افترضت البشرية أن تقدمها التكنولوجي مفيد أو يمكن التحكم فيه، ونحن نقول إنه يمكن أن يكون مفيداً للغاية، وقد يكون من السهل إدارته لكنّ هناك جوانب الجزء الإداري منه لم ندرسها على الإطلاق، أو لم ندرسها بشكل كافٍ، ومازلت قلقاً، أنا أعارض ما يقول البعض إنه يجب علينا التخلص من الجانب الإداري، لكن إحدى النقاط الرئيسة أنه يجب إنشاء بعض الفلسفة لتوجيه البحث».

البحث عن فلسفة أخلاقية تحكم الذكاء الاصطناعي

ومن تقترح أن يصنع تلك الفلسفة؟ ما الخطوة التالية؟ يقول إننا نحتاج إلى عدد من المجموعات الصغيرة التي تطرح الأسئلة، عندما كنت طالب دراسات عليا كانت الأسلحة النووية جديدة، وفي ذلك الوقت التقى عدد من الأساتذة المهتمين في هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، بعد ظهر أيام السبت للتساؤل، ما الإجابة؟ كيف نتعامل معها؟ وقد توصلوا إلى فكرة الحد من التسلح.

ويقول شميدت: «نحن بحاجة إلى عملية مماثلة، لن تكون هناك مبادرة واحدة، بل مجموعة من هذه المبادرات، لذلك علينا أن نتبنى فلسفة، لا أستطيع أن أقول ذلك مثل الدكتور كيسنجر، لكننا بحاجة إلى إطار فلسفي، ومجموعة من التفاهمات بشأن ما يجب أن تذهب إليه حدود هذه التكنولوجيا»، ويسترسل: «من واقع خبرتي في هذا العلم، فإن الطريقة الوحيدة التي يحدث بها ذلك هي حشد العلماء والعاملين بالسياسة معاً، بشكل ما في مكان واحد، وهذا ما تم اتباعه في علم الأحياء، مثل الحمض النووي وما إلى ذلك.

وهل هذه المجموعات بحاجة إلى أن تكون دولية، أم تحت رعاية الأمم المتحدة، أم أي كيان آخر؟ يقول شميدت: «هناك مجموعات صغيرة نسبياً من النخبة التي فكرت في هذا الأمر، ويجب أن يتم تحشيد جهودها، على سبيل المثال هناك مجموعة أوكسفورد للذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الاستراتيجية، وهو أمر جيد جداً، هناك جيوب صغيرة حول العالم، هناك أيضاً مجموعة في الصين، لكن لم يتم تجميعها معاً، إنها البداية، لذلك من الأفضل أن نبدأ الآن التفكير في الآثار المترتبة على الذكاء الاصطناعي، لأنه في غضون عقد من الزمن ستكون هذه التقنيات قوية للغاية. المثال الواضح في هذا الصدد هو العقيدة العسكرية، فكل شيء يزداد قوة بسرعة، والشيء الذي لا نريده هو أسلحة يتم إطلاقها تلقائياً بناءً على تحليل الذكاء الاصطناعي للوضع الخاص».

ويعبّر شميدت عن قلقه بشأن إساءة استخدام كل هذه التقنيات، ويقول: «لم أكن أتوقع أن تستخدم الحكومات الإنترنت للتدخل في الانتخابات، لم يخطر ببالي ذلك قط، ولم أكن أتوقع أن يتم استخدام الإنترنت لنشر الفيروسات بهذه الطريقة الرهيبة»، ويسأله كيسنجر: ماذا كان سيفعل لو كان يعرف ذلك؟ ويجيبه شميت: «لا أعلم، كان بإمكاني فعل شيء مختلف، لو كنت أعرف ذلك منذ 10 سنوات، كان بإمكاني بناء منتجات مختلفة، كان بإمكاني ممارسة الضغط بطريقة مختلفة، كان بإمكاني إلقاء الخطب بطريقة مختلفة، كان بإمكاني تنبيه الناس قبل حدوث ذلك.» ويرد عليه كيسنجر: «أنا لا أتفق مع خط حجتك، نحن نعرف تقريباً ما الذي ستقدمه التكنولوجيا، يمكننا عادة التنبؤ بالتكنولوجيا بدقة كبيرة في غضون 10 سنوات، لذلك حاولت في كتابنا تدوين ما سيحدث، ونريد أن يتعامل الناس معه».

• تم تعليم الكمبيوتر التفكير العميق في لعب الشطرنج، من خلال اللعب ضد نفسه لمدة أربع ساعات، وخوض لعبة شطرنج لم يرها أي إنسان من قبل. أفضل أجهزة الكمبيوتر لدينا تتفوق على الإنسان في بعض الأحيان، وإذا حدث هذا في مجالات أخرى، كما هي الحال في الوقت الراهن، فهذا شيء لم يستعد له عالمنا على الإطلاق.

• إننا ننتقل إلى فترة جديدة من الوعي البشري لم نفهمها بالكامل بعد، وعندما نقول فترة جديدة من الوعي البشري فإننا نعني أن التصور عن العالم سيكون مختلفاً، على الأقل الاختلاف نفسه بين عصر التنوير وفترة العصور الوسطى، عندما انتقل العالم الغربي من تصور ديني للعالم، إلى تصور العالم على أساس العقل، لكن ببطء، لكن هذا الانتقال الجديد سيكون أسرع.

طباعة