17 ألف فلسطيني غادروا القطاع العام الجاري بحثاً عن حياة أفضل

هجرة شباب غزة.. المسافة الأقرب إلى الموت

صورة

ودّع والديه المريضين، واصطحب زوجته وطفله الذي رزق به بعد سنوات، وغادر قطاع غزة المحاصر عبر نافذة الحياة الوحيدة لمليونين ونصف المليون مواطن غزي، قاطعاً الحدود الجغرافية وصولاً إلى الأراضي التركية، على أمل أن يجد حياة معيشية أفضل من التي نهشها فكا الفقر والانقسام.

والدا المواطن الغزي نصرالله عبدالرحمن الفرا، (48 عاماً)، من سكان مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، كانا ينتظران وعد ابنهما الأكبر بأن يصحبهما بعد أشهر عدة، ليعيشا معه الحياة الرغيدة، ولكن ذلك سرعان ما تبدد دون رجعة، قبل أن تطأ قدمه بلد الأحلام الوردية، ليحرم زوجته وطفله أدهم، وهو في طريقه إليهم تهريباً على متن سفينة تركية، كانت تشق طريقها في جنح الظلام إلى اليونان.

هذا الحدث المؤلم كان يوم الجمعة الخامس من شهر نوفمبر الجاري، جرّاء غرق قارب في عرض بحر إيجة، بينما كان يقل على متنه 22 شاباً، من بينهم 10 فلسطينيين من مدينة خانيونس، فروا من جحيم الأوضاع المعيشية المتردية التي تضرب جنبات غزة منذ صيف عام 2007، سبعة منهم نجوا من الموت، فيما غاب أثر ثلاثة منهم في أعماق البحر، المواطن الفرا أحدهم، إلى جانب الشابين محمود حسن محمود أبورجيلة، وأنس أيمن أبورجيلة.

جراح ممتدة

حادث غرق السفينة التركية على الحدود اليونانية البحرية، نكأت جراح عائلات الضحايا الثلاث، التي كانت تنتظر خبراً ساراً بأن أولادها تمكنوا من الاستقرار على الأراضي اليونانية، وأنهم حصلوا على مصدر دخل ينعش أوضاعهم المعيشية المتردية، لتعيد إلى الأذهان، حادثة غرق 185 مواطناً من قطاع غزة، كانوا على متن سفينة أبحرت من شواطئ الإسكندرية متجهة إلى إيطاليا، التي اختفت آثارها وانقطع الاتصال بها، وذلك في عام 2014.

وتقول والدة نصرالله الفرا بصوت حزين: «إن حياتنا في غزة يلفها القهر والحرمان، فقد حرمنا وجود ابني أبوأدهم في بيته، بحثاً عن مصدر الرزق والحياة الكريمة خارج حدود غزة، لنحرم منه إلى الأبد دون أن يتمكن من تحقيق ما كان يطمح إليه».وتمضي الأم المكلومة بالقول، «ابني نصرالله غادر غزة هو وعائلته الصغيرة هرباً من سوء الأوضاع المعيشية، وعدم توافر فرص عمل لعشرات الآلاف من الشبان والسكان، فقرر السفر عبر القوارب بحثاً عن حياة أفضل، لتأمين مستقبل طفله الوحيد، بعد محاولات عدة منه للهجرة قبل ذلك، ولكن الموت كان ينتظره في هذه المرة، التي مزقت قلوبنا جميعاً على فراقه».

وتشير إلى أن ابنها البكر نصرالله رزق بابنه الوحيد (أدهم - 12 عاماً)، بعد سنوات من الحرمان، جرّاء عملية تخصيب مجهري، مضيفة أن «زوجته وابنه كانا معه في الأراضي التركية، وسبقاه في هجرتهما إلى اليونان، وكانا ينتظران قدومه بحراً، ليلتئم شمل العائلة الهاربة من جحيم الفقر إلى حضن الموت».

وكان نصرالله الفرا أول من عثر على جثمانه يوم السابع من شهر نوفمبر الجاري، على السواحل التركية اليونانية، ولكن عائلته حرمت أيضاً توديعه، ليوارى الثرى في الأراضي التركية، ويزداد حجم الآلام التي سكنت قلوب عائلته المكلومة.

أما عائلة الشاب أنس أبورجيلة، فقد تمكنت بعد توجيه مناشدات عدة، من استقبال جثمانه بعد العثور عليه، ليوارى الثرى في مسقط رأسه، بعد تسعة أيام من حادث غرق السفينة في بحر إيجة، ليكون الموت والحرمان مصيره وعائلته، دون أن يحظى بتحقيق أدنى أحلامه خارج حدود القطاع المحاصر.

وتقول سميرة أبورجيلة، زوجة والد الشاب أنس أبورجلية، لـ«الإمارات اليوم»: «غادر أنس منزله والقطاع مسافراً إلى تركيا منذ 11 شهراً، ليساعد والده على تأمين لقمة العيش لإخوته وشقيقاته الخمس، وهرباً من الفقر، لتأمين مستقبله، وتحسين ظروف الحياة المعيشية المأساوية، ولكن الموت كان ينتظره، لو كنا نعلم ذلك لما سمحنا له بالسفر، ولكن قدر الله غالب لا محالة».أما الشاب (محمود) الذي غاب في غياهب بحر إيجة، فقد حرمت أمه أبناءها الأربعة، الذين فارقوا الحياة خلال السنوات الماضية، ولم يجد خياراً أفضل من السفر إلى دول أوروبا، عله يؤمن الحياة الكريمة التي كان يطمح أشقاؤه إلى توفيرها لعائلته، ولكن قارب الموت خطف ابنها الخامس دون أن يظهر أثر له.

أوضاع اقتصادية متأزمة

يشهد قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة الماضية، زيادة حادة في هجرة المواطنين، خصوصاً الشباب إلى الأراضي التركية، ومنها يحاولون الهجرة بطرق غير شرعية عن طريق البر أو البحر، إلى دول أوروبية عدة، منها اليونان، في سبيل البحث عن حياة أفضل.

ووفقاً لمعلومات وزارة الداخلية الفلسطينية، فإن أكثر من 74 ألف فلسطيني غادروا خارج قطاع غزة عبر معبر رفح منذ بداية العام الجاري، فيما عاد منهم 57 ألفاً، وبقي خارج القطاع نحو 17 ألفاً، سواء سافروا بغرض هجرة شرعية عن طريق المعابر، أو هجرة غير شرعية عبر قوارب الموت والتهريب.

وفي عام 2019، نشرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية تقريراً حول هجرة الشبان الفلسطينيين من غزة، قال وقتها إن عددهم وفقاً لتقديرات إسرائيلية، تجاوز الـ40 ألفاً، فيما تذكر تقارير فلسطينية إن عددهم فاق الـ70 ألفاً، منذ عام 2014 حتى نهاية العام الماضي 2020.

وتزداد معدلات هجرة سكان القطاع، خصوصاً فئة الشباب، في ظل معاناة السكان تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فوفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل في غزة من فئة العمال، أو الذين فقدوا مصدر رزقهم، أو الخريجين، قرابة ربع مليون شخص.

ويعتمد أكثر من80% من سكان قطاع غزة على المساعدات الغذائية العاجلة، وتعيش 53% من الأسر تحت خط الفقر، وما يقارب 33% من العائلات الغزية تعيش تحت خط الفقر المدقع، فيما ارتفعت مؤشرات البطالة إلى 85%، وذلك بحسب مدير دائرة العلاقات العامة والإعلام في غرفة غزة التجارية ماهر الطباع.

ويقول الطباع: «إن العديد من المآسي تعصف بسكان قطاع غزة منذ عام 2007، جراء فرض سياسة الحصار الإسرائيلي، وتمزق النسيج الفلسطيني جراء حالة الانقسام السياسي بين قطاع غزة ورام الله، وهذا الواقع البغيض انعكس سلباً على فئة الشباب الذين كبروا في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية».

ويلفت إلى أن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهشاشة القطاعات الاقتصادية نتيجة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب ندرة فرص العمل، جرّاء الحصار وإغلاق المعابر الرئيسة، جميعها عوامل دفعت الشباب لمواجهة مخاطر الموت في سبيل السفر خارج غزة، والبحث عن الاستقرار في دول أوروبا.

• يعتمد أكثر من 80% من سكان قطاع غزة على المساعدات الغذائية العاجلة، وتعيش 53% من الأسر تحت خط الفقر، وما يقارب 33% من العائلات الغزية تعيش تحت خط الفقر المدقع، فيما ارتفعت مؤشرات البطالة إلى 85%، وذلك بحسب مدير دائرة العلاقات العامة والإعلام في غرفة غزة التجارية.

• ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهشاشة القطاعات الاقتصادية نتيجة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب ندرة فرص العمل، جرّاء الحصار وإغلاق المعابر الرئيسة، جميعها عوامل دفعت الشباب لمواجهة مخاطر الموت في سبيل السفر خارج غزة، والبحث عن الاستقرار في دول أوروبا.

طباعة