علاقات ثنائية محكومة بضوابط أثارت حيرة العالم

تحالف أميركي - إسرائيلي غريب لكنه مستقر

بؤرة « بروتشين » نواة لمستوطنة جديدة قرب نابلس بالضف الغربية. أ.ف.ب

منذ عقود تتمتع إسرائيل بنظرة مستقرة في عيون السياسيين الأميركيين وأذهانهم، هي أنها الحليف «المستقر» الوحيد في الشرق الأوسط، لكن هذا الاستقرار يعني العديد من الأمور، منها ضرورة إخلاص هذا الحليف من غير شروط لإملاءات الإدارة الأميركية وما تراه من اعتبارات. وقد ثبتت صحة هذا المعنى، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية نهج تسيدها العالم من خلال السيطرة عليه كلياً أو جزئياً قدر الامكان، حيث كانت إسرائيل ولاتزال استثناء من بين مناطق النفوذ والسيطرة الأميركية. وتسير العلاقات الأميركية الإسرائيلية محكومة بمجموعة محيرة من الضوابط والتعليمات وربما كانت الأكثر اثارة للحيرة والتعجب في عالم العلاقات الثنائية بين الدول.

تطاول إسرائيلي

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/86992.jpg

تطاول وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعالون، أخيراً، على وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وسخر من جهوده لتنشيط المفاوضات المتعثرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وقال إن «الخطة الأمنية التي قدمها كيري لا تستحق الحبر أو الورق الذي تمت صياغتها عليه، وانه لا يمكنه تعليمي درساً عن الصراع مع الفلسطينيين وكيفية التفاوض معهم».


الموقف الأوروبي

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/86991.jpg

اعتبر المسؤولون الإسرائيليون وعلى رأسهم نتنياهو، الموقف الأوروبي من التوسع الاستيطاني موقفاً قاسياً ومبالغاً فيه ولا يتناسب مع قرار إسرائيلي «بمجرد بناء حفنة من البيوت والوحدات السكنية»، التي لا تستوجب استدعاء السفراء الإسرائيليين في دول أوروبا. وقد شن نتنياهو هجوماً عنيفاً على الدول الأوروبية الأربع ووصف موقفها بـ«غير المتوازن والمنحاز والمتحامل على اسرائيل، والذي لا يساعد على تقدم عملية السلام».

وقام وزير الخارجية الأميركي جون كيري منذ توليه منصبه حتى الآن بـ10 رحلات إلى الشرق الأوسط في اطار محاولاته بلورة خطوط عريضة لاتفاق نهائي للتسوية الدائمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وطبقاً لتقارير اعلامية فإن مشروع الاتفاق يستجيب لأغلبية الهواجس الأمنية لإسرائيل بما فيها اقتراح بقاء مناطق من الضفة الغربية ومنطقة الاغوار تحت السيطرة العسكرية والأمنية لإسرائيل، وفكرة اخرى عن تبادل للأراضي بين الدولة الفلسطينية وإسرائيل اثارها مجدداً وزير الخارجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، الذي تحدث عن ضم مناطق وتجمعات سكانية لفلسطينيي 1948 للدولة الفلسطينية، مقابل ضم كتل استيطانية كبيرة في الضفة الغربية لإسرائيل.

وقال ليبراليون فلسطينيون وإسرائيليون ان ليبرمان عنصري في طروحاته ويشير إلى احياء فكرة تنفيذ «الترانسفير» القسري القائمة عل التطهير العرقي ضد الفلسطينيين التي تحدث عنها قبله الحاخام مائير كاهانا زعيم حركة كاخ في سبعينات القرن الماضي. صحيح ان هذه الافكار اصبحت قديمة وعفى عليها الزمن، ولكنها مازالت تلقى قبولاً حتى من الحمائم في المجتمع الاسرائيلي. واليوم في اطار جهودهم لضمان استرار المفاوضات وتنشيطها يبدي الأميركيون اهتماماً بمختلف الافكار الامنية بما فيها قائمة المطالب الأمنية الاسرائيلية التي لا تنتهي، فما الذي يجعل يعالون ساخطاً وغاضباً؟

يبدو أن شخصية يعالون ليست من النوع الاعتذاري، فهو يقول «وجودنا الدائم في يهودا والسامرة هو الضمان الحقيقي والأكيد على المدى الطويل لأمن اسرائيل»، وهذا يعني بكلمات اخرى استمرار الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ومازالت اسرائيل تأخذ في اعتبارها التأييد الأوروبي للاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، الذي كانت تتم ترجمته عملياً في كثير من الأحيان بتزويد اسرائيل غير المشروط بالأسلحة.

كيف يمكن لدولة صغيرة بحجم اسرائيل ان يكون لها كل هذا النفوذ والتأثير في الدول الكبرى، حيث تحصل على كل ما تريده من سلاح ودعم اقتصادي وسياسي ولا تكف في الوقت ذاته عن ايذاء المسؤولين في هذه الدول والنيل منهم، ولا تكف ايضاً عن طلب المزيد؟ وقد وجدت الدول الأوروبية الأربع المذكورة في تبادل لإطلاق النار مع اسرائيل، لان هذه الدول استدعت، قبل يوم واحد من استعداء سفرائها في تل ابيب، السفراء الاسرائيليين لديها، وتم ابلاغهم رفض حكوماتها لإعلان حكومة نتنياهو بناء 1400 وحدة سكنية اضافية إلى المستوطنات في الضفة الغربية في اطار سياسة التوسع الاستيطاني الاسرائيلية والمرفوضة بموجب القانون الدولي.

وتزامن موقف الدول الأوروبية الأربع مع تصريح لمنسقة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كاثرين اشتون، انتقدت فيه ذلك الإعلان من حكومة نتنياهو، واعتبرته عقبة في طريق السلام، ما دفع كثيرين من الأوروبيين والعرب إلى التساؤل: اين كان هذا الموقف الأوروبي من ممارسات الاحتلال والاستيطان الاسرائيلي على مدى اكثر من 46 عاماً؟ ويأتي موقف الكونغرس الأميركي مختلفاً مع موقف الادارة الأميركية ومواقف دول الاتحاد الأوروبي فهو يثور من أجل امر اكثر اهتماماً واثارة وهو لإرضاء لجنة «ايباك»، نواة اللوبي الموالي لإسرائيل، الذي يتمتع بنفوذ كبير في الولايات المتحدة، لاسيما بشأن تحركات جارية في الكونغرس لتخفيف العقوبات الاميركية المفروضة على ايران تنفيذاً لبعض بنود الاتفاق بين ايران والدول الغربية بشأن برنامجها النووي وقبل التصويت على إلغاء بعض من تلك العقوبات حتى تاتي نتيجة التصويت في الكونغرس، كما تريدها «ايباك».

ان ما تقوم «ايباك» بكل ثقة وهدوء في اوساط الكونغرس لا يشير إلى ان اسرائيل تحصل على ما تريده فحسب، وانما إلى حجم الدور غير الشريف وغير المتسق مع الحقائق الذي تلعبه اسرائيل في تشكيل ورسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

رمزي بارود - صحافي ومترجم فلسطيني رئيس تحريرصحيفة «باليستاين كرونيكل» الإلكترونية، والمقال منشور في موقع «فورين بوليسي جورنال».

طباعة