يتبع استراتيجية تصوّر الثوار على أنهم إرهابيون يهددون المنطقة والمصالح الغربية

الأسد يستغل «جنيف 2» لكسب تعاطف الغرب

صورة

تزداد تطلعات الرئيس السوري، بشار الأسد، في إمكان استخدام مؤتمر «جنيف 2» من أجل دعم شرعية حكومته، ولكن قبل كل شيء يبدو أن الآمال ضعيفة في أن يستطيع المؤتمر وضع حد للحرب الأهلية المستمرة هناك منذ ثلاث سنوات.

ويبدو أنه ليس هناك اهتمام للنظام السوري، الذي أرسل وفداً برئاسة وزير خارجيته، وليد المعلم، أو حليفته روسيا المشاركة مع أميركا في رعاية المؤتمر، بشأن إقامة إدارة انتقالية تحل محل الأسد بعد تنحيه ضمنياً، ويبدو ذلك من لهجة المعلم في 22 يناير في حديثه الافتتاحي، الذي أكد فيه أن «لا أحد يستطيع أن يمنح أو يسحب الشرعية من الرئيس.. غير السوريين أنفسهم».

وقبل يومين من ذلك، صرح الأسد لوكالة «فرانس برس»، بأن المؤتمر ينبغي أن يكون حول «مكافحة الإرهاب» في سورية، ولهذا فإنه من غير الواقعي أن نفترض أنه سيتقاسم السلطة مع المعارضة، ويضيف الأسد أنه يفكر في الترشح لولاية رئاسية أخرى في وقت لاحق من هذا العام، إذا كان الرأي العام يدعم ترشيحه. وأوحى وزير الخارجية الروسي المراوغ، سيرغي لافروف، بأن حكومته ليس لديها ولاء خاص للأسد نفسه، وتبحث فقط في التوصل إلى تسوية تحافظ على تماسك الدولة السورية، وتمنع الجهاديين من الاستيلاء عليها، لكن في الواقع تسعى روسيا بكل ما في وسعها لمساعدة الأسد على إبقاء قبضته على السلطة.

نفاق أميركي

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/83568.JPG

في الوقت الذي لم يرشح فيه شيء ذو فائدة من مؤتمر «جنيف 2» للسلام بشأن سورية، ظلت الحرب «الأميركية القذرة» تتواصل على سورية، ولايزال وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، يتفوه منذ عام 2011، بعبارات «يجب على الأسد أن يذهب»، لكن عباراته كانت أقل إقناعاً، علينا أن نتذكر أن واشنطن مارست ضغوطاً كبيرة على الائتلاف الوطني لحضور جنيف، والتحدث مباشرة للمرة الأولى مع الحكومة السورية.

وفي الوقت الذي يهاجم عشرات الآلاف من المقاتلين الطائفيين المدعومين من الخارج المدن السورية، يعترف العديد من المحللين الغربيين بأن حكومة الأسد وصلت عام 2014 الى موقف أقوى، على الرغم من التوقعات بعدم نهاية الصراع في وقت قريب. وظل العديد من المحللين الأكثر أهمية يسخرون من ازدواجية الولايات المتحدة، وموقفها غير المتغير بشأن «تغيير النظام» في سورية، بوصفها الخطوة التالية نحو «الشرق الأوسط الجديد»، على غرار رؤية واشنطن. على سبيل المثال يشير أحد المحللين الى «النفاق المدهش من سياسات الولايات المتحدة»، في مطالبتها بدعم «الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان للشعب السوري»، في حين انها تدعم الجماعات المنتسبة لـ«القاعدة».  عن «البرافدا الروسية»

يدعي تقرير صادر في 17 يناير الجاري عن وكالة «رويترز»، استناداً إلى مصادر الاستخبارات وصناعة الأسلحة، بأن روسيا صعدت من المساعدات العسكرية للأسد. ويقول إنه منذ ديسمبر الماضي «نقلت العشرات من طائرات أنتونوف - 124 داخل سورية مركبات مدرعة ومعدات مراقبة، ورادارات، وأنظمة حرب إلكترونية وقطع غيار لطائرات الهليكوبتر، ومختلف الأسلحة بما في ذلك القنابل الموجهة التي تستخدمها الطائرات الروسية، وفي الوقت نفسه يعمل العديد من المستشارين وخبراء الاستخبارات الروس على تشغيل الطائرات من دون طيار للمراقبة على مدار الساعة لمساعدة القوات السورية على تتبع مواقع الثوار، وتنفيذ ضربات دقيقة ضدهم من المدفعية والقوة الجوية».

وفي المقابل، تتذمرأميركا كثيراً حول تسليح الثوارالتي تدعي دعمهم، وبينما يواصل الثوار الحصول على المال والأسلحة من السعودية وقطر، يتلقون النذر اليسير من أميركا، التي تتخوف من أن الأسلحة التي ترسلها قد تجد طريقها إلى أيدي جماعات لها صلات بتنظيم القاعدة، مثل «جبهة النصرة»، و«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش).

ويبرر دبلوماسيون غربيون سبب التركيز على الدبلوماسية بقولهم، إنه «ليس هناك حل عسكري»، لكن النظام وحلفاءه، روسيا وإيران، يعتقدون خلاف ذلك، إذ استطاع الأسد تحقيق درجة من النجاح العسكري في الأشهر التسعة الماضية، بسبب الانقسامات، حيث اندلعت مواجهات مريرة في ديسمبر الماضي بين الفصائل المعتدلة نسبياً والجهاديين الأكثر تطرفاً، تمخضت عن 1000 قتيل تقريباً، ويبدو أن ذلك أقنع الأسد بأنه يمكنه أن يطحن أعداءه تحت مبرر الإرهاب.

استطاع الأسد أن يلعب أوراقه السياسية ببعض المهارة. من بينها الصفقة التي توسطت فيها روسيا لإزالة ترسانته من الأسلحة الكيماوية، ما مكنه من تقديم حكومته كشريك في المشروع، وبالتالي تعزيز ادعاءاته بالشرعية. ويقول الخبير في الشؤون السورية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن، إميل الحكيم، إن الأسد يعتقد بأن استراتيجيته التي يصور من خلالها الثوار بأنهم إرهابيون وجهاديون يهددون كل المنطقة والمصالح الغربية «بدأت تؤتي ثمارها، وأنه سيحاول في المرحلة التالية تقديم نفسه باعتباره حصناً ضد (القاعدة)، ومصدراً حيوياً للاستخبارات الغربية». وقال السفير الاميركي السابق في سورية والعراق وأفغانستان، ريان كروكر، الشهر الماضي، إنه بالنظر إلى أن سورية أصبحت معقلاً لتنظيم القاعدة، فإن الأسد يبدو أهون الشرين، وينبغي إيجاد وسيلة ما للتعاون معه.

وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، لايزال يصرّ على أن الأسد يجب أن يرحل، إلا أن وجهة نظر كروكراكتسبت أرضاً، وبالنسبة للأسد، فإن هذا يمثل انتصاراً للخطة التي تبناها بعد وقت قصير من بدء الانتفاضة ضده في عام 2011، لمساعدة الجهاديين للسيطرة على المعارضة المناوئة له، وتمثلت خطوته الاولى في هذا الاتجاه في اطلاق سراح نحو 1000 من الجهاديين والمنتمين لتنظيم القاعدة من السجن، في إطار ما سماه العفو العام. وفي الآونة الأخيرة، تواترت أنباء أن «داعش وجبهة النصرة» يجري تمويلهما من قبل النظام، عن طريق بيع النفط والغاز من الآبارالخاضعة لسيطرته. ويقول الثوار أيضاً إن قوات النظام ركزت على مهاجمة الفصائل الأكثر اعتدالاً، ومد يد العون للجهاديين.

وفي مؤتمر جنيف يجلس وفدا النظام والمعارضة وجهاً لوجه برئاسة مبعوث الأمم المتحدة (وجامعة الدول العربية) إلى سورية، الأخضر الإبراهيمي. ويبدو أن المسؤولين في الحكومة السورية ليس لديهم أي تفويض بشأن التفاوض على أي شيء يتعلق بفتح عدد قليل من ممرات الإغاثة الإنسانية ووقف إطلاق النار للسماح للغذاء والدواء بالوصول إلى بعض أكثر المناطق البائسة، مثل ضواحي دمشق الثلاث: اليرموك، والمعضمية والغوطة الشرقية.

هذه التفويضات سيستغلها الأسد في ما بعد، الذي يريد أن يعزز صورته كشريك أساسي، لأنه بموجب القانون الدولي لا يمكن منح حق دخول الإغاثة التابعة للأمم المتحدة أوالصليب الأحمر أو أي منظمة إغاثية معترف بها إلا من قبل حكومة معترف بها شرعياً، فإذا رفض الثوار مقترحات الأسد، فإنه سينسب إليهم سبب معاناة زملائهم من المواطنين. ويبدو أن الغرب لا يرفض إلا بالكاد ما يطرحه الأسد في هذا الشأن، إلا أن الغرب من خلال العمل معه سيدعم نظامه بشكل غير مباشر.

ونذكر الغرب بالخطر الأخلاقي في التعامل مع الأسد، إذ برز إلى السطح تقرير قبل انعقاد المؤتمر بالتفصيل بقليل موثق بالأدلة الفوتوغرافية وفيلم وثائقي، يعكس التعذيب الممنهج وقتل نحو 11 ألفاً من المعتقلين من قبل نظامه. ووفقاً للتقرير الذي أعده ثلاثة مدعين عامين من ذوي الخبرة من المحاكم بشأن سيراليون ويوغوسلافيا السابقة، فإن معظم الضحايا كانوا من الشبان المحتجزين بين مارس 2011 وأغسطس من العام الماضي. ووصف ديزموند دي سيلفا، المدعي العام بشأن سيراليون، وهو أحد كتاب التقرير بأنها دليل موثوق به، إلا أن الآمال لاتزال تراود الأسد في أن نظامه سيستأنف قريباً نشاطه مع الغرب الأكثر تعاطفاً.

 

تيم أندرسن  - محلل سياسي يقيم في بريطانيا

طباعة