الحرب الأهلية في سورية لم تبدأ بعد
على الرغم من كل ما تشهده سورية من اقتتال وعنف بين قوات نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، والمعارضة المسلحة، إلا أن الأمور لم تصل بعد إلى نقطة بداية الحرب الأهلية فيها. وفي ظل عدم وجود خليفة للأسد، فإن حرباً دموية ستستمر في سورية بكل وحشية، لذا فإن الوضع يتطلب الآن نوعاً جديداً من الدبلوماسية. وفي ظل دعوة الولايات المتحدة وروسيا إلى عقد مؤتمر حول الصراع الدائر في سورية، يتساءل كثيرون عن جدوى هذا المؤتمر وهم على حق في تساؤلهم، فما كانت فائدة أو منفعة كل التدخلات الخارجية في سورية؟
ويتعين على المؤتمر أن يركز على ثلاث قضايا رئيسة، أولاً: إن الأحداث الدائرة في سورية تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، فلا يمكن لأحد توقع تبعات مشاركة الحركات السلفية في الصراع في سورية، نظراً إلى ازدياد نفوذها في البلاد، وهناك اهتمام دولي كبير بالصراع الدائر في سورية منذ 26 شهراً، الأمر الذي سيفضي الى تأثير جيو ـ سياسي، ولذلك فهناك تغير في النغمة الروسية ـ الأميركية حول هذا الصراع.
وثانياً: إننا لا نفعل ما هو كافٍ لمساعدة الأعداد الضخمة للاجئين والنازحين السوريين الذين يعانون آثار أسوأ صراع داخلي شهده هذا القرن.
وثالثاً: حال سقوط الأسد أو بقائه في منصبه، فإن الحرب الأهلية ستبقى على الأبواب في ظل عدم وجود خليفة له في الأفق، الأمر الذي يعني دخول سورية في فراغ سياسي. ولا تستطيع سورية التوصل إلى الحد الأدنى من التقدم في الصراع الدائر فيها من دون الدعم والتنسيق الخارجي.
إن المؤتمر المقبل حول سورية يجب أن يتمحور حول وضع تصور مستقبلي للحل في سورية حتى لو تجاهلته الأطراف في الوقت الحالي. وقبل عامين ونيف كانت درعا نقطة شرارة الانتفاضة الشعبية بعد أن انتفض أهلها ضد قمع نظام الأسد الذي دفعت المبالغة فيه السوريين الى حمل السلاح وإشهاره في وجه قوات النظام على خلاف ما جرى في مصر وتونس. وفي كل يوم يمضي يخسر نظام الأسد من شعبيته، لكن اسقاطه بالقوة في وقت قريب يبدو مستبعداً، ومع توسع الأطراف المتصارعة في استخدام السلاح، لا تلوح في الأفق مؤشرات إلى بداية مخرج حقيقي للأزمة في سورية.
وحتى لو قام الغرب بتزويد المعارضة السورية بأسلحة فتاكة وفعالة، فإن ذلك لا يحل شيئاً من الأمور بل يزيدها تعقيداً، وقد تنتهي هذه الأسلحة الى العنوان الخطأ وتقع في أيدي جماعات خطرة وغير مقبولة اومرضي عنها في الغرب. كما أن إقدام الغرب على هذه الخطوة سيدفع حتماً الدول المؤيدة لنظام الأسد، لاسيما روسيا وايران، الى دعمه بأسلحة نوعية جديدة لتحقيق التوازن. وقد أثبتت الأحدث في العراق وأفغانستان أنه من غير العمل الجاد على بلورة خطة لحل سياسي فإن استخدام القوة سيبقى العامل الأساسي في استمرار العنف وانفلات أمني خطير، فما الذي يمكن للدبلوماسية ان تأتي به؟ لقد فشلت الجهود التي قام بها (مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية السابق إلى سورية) كوفي أنان، وكذلك الجهود التي يبذلها خلفه، الأخضر الإبراهيمي، في اقناع الأطراف المتنازعة بالجلوس للتفاوض على تسوية سياسة ومخرج للأزمة، كما اثبتت الأيام عدم فاعلية الجدل بين الروس والغرب في تمهيد الطريق امام لقاء الأطراف وتفاوضها، وان المناقشات التي تمت ـ على الرغم من ايجابياتها في رأي الكثيرين ـ إلا أنها كانت فاشلة وعاجزة عن تحقيق شيء ملموس. ومما لا شك فيه انه حال تفاقم التهديد الذي يمثله استمرار الوضع المتفجر في سورية، فإن شرارات وبعضاً من الحريق ستطال تركيا والعراق ولبنان والأردن واسرائيل، ولا أحد يمكنه توقع عواقب انخراط العديد من الجماعات السلفية والدينية المتطرفة في الاقتتال الدائر، لاسيما أن تأثيرها ونفوذها يزدادان يوماً بعد آخر. ومن هنا جاء التغيير في وتيرة ونغمة النقاش الروسي الأميركي حول سورية.
كما أنه من السهل علينا ملاحظة التقصير من جانب الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها في تقديم المساعدات الإنسانية الضرورية للاجئين والنازحين السوريين داخل سورية وخارجها، الذين يتزايد عددهم كل يوم وعجز هذه الوكالات والمنظمات عن التخفيف من الصعوبات التي يواجهها هؤلاء اللاجئون في الدول المضيفة لهم.
ولا تلوح في الأفق أي بوادر أو مؤشرات على ان نظام الأسد او معارضيه قادرون على حسم الوضع عسكرياً لمصلحة أي منهما ما يعني استمرار نزيف الدماء الذي يدفع ثمنه المدنيون.
ويبدو أن سورية ليست قادرة على الوصول الى الحد الأدنى من التقدم نحو مخرج لما هي فيه من غير مساعدة خارجية منظمة ومنسقة. ومما لا شك فيه أن الهدف من المؤتمر الدولي المنشود، إيجاد وبلورة اطار عمل لصيغة حل للأزمة، ولابد للأطراف المتحاربة من القبول به ولو بعد حين، نتيجة الشعور بالإرهاق والتعب من القتال، ولابد للإرهاق من أن يلهمها البدائل والخيارات الجديدة. وعلى الأرجح فإنه من الطبيعي أن تشهد الفترة الحالية مساومات صعبة ومداولات قاسية حول كيفية التعامل مع المستنقع السوري والخروج منه قبل ان يدخل مرحلة جديدة وأقسى من التفاقم والتصعيد الدموي.
جيرمي غرينستوك مندوب بريطانيا السابق لدى الأمم المتحدة