ميدان التحرير يعيد كتابة تاريخ مصر الجديد

المشهد الأسطوري في ميدان التحرير أذهل العالم في إظهار قوة إرادة الشعب. الإمارات اليوم

ربما لا يتكرر في تاريخ الشعوب سوى مرة واحدة فقط، لحظة انتصار الإرادة، ليس أن تفوز بكأس العالم، أو تهزم عدوك في ساحة معركة حربية، أو غيرها، وإنما أن تحقق إرادتك، لتمحو السطور السوداء التي كتبت في سجل تاريخك، وأوهموك أن ذاك هو أنت، ضعيف سلبي جاهل عنيف موروث. ثم يثبت العكس، فأنت قوي إيجابي عاقل حر، وأن عشرات السنين من الظلم والاستبداد والقهر لم تطمس معالم شخصيتك.

قبل لحظة إعلان التنحي في جمعة التحدي كانت اللوحة في ميدان التحرير قد اكتملت تماماً، والفرز انتهى، فمن اختاروا الشعب ذهبوا إليه هناك، أما الآخرون فإما وقفوا على الجانب الآخر، أو اختاروا موقفا وسطا حتى تنتهي الأمور.

هذا هو ميدان التحرير، حيث التاريخ يبدأ من حنجرة ونشيد.

في مدخل الميدان وبعد التفتيش الدقيق والتحقق من وظيفتك، يستقبلونك بالاعتذارات والترحاب، وقد تستغرق للمضي بين الزحام نحو ساعة لقطع مسافة 100 متر في الداخل، وحين ينهكك التعب تبحث عن سنتيمترات فارغة لتجلس بها، وكانت المصادفة أن جلست إلى جوار رجل جاء من مدينة البدرشين منذ جمعة الغضب ولن يعود إلا بعد رحيل النظام، هكذا قال، مدّ لي طرف «البطانية» التي يجلس عليها بعض ساعات النهار، ويتدثر بها بعض ساعات الليل، تحادثنا، وبعد لحظات جاءني بلوحة بيضاء وقلم عريض، طلب مني أن أكتب له عبارة «مش ناقص غير الأموات يقولولك ارحل» وفعلت، فحملها واعتلى الرصيف رافعاً إياها تجاه طائرة هليكوبتر حربية تحّلق في سماء الميدان على ارتفاع منخفض، وقال لي: هذه الطائرة ستحدد بعد ساعات مصير مصر، سألته عن السبب فقال، إنها تقيس أعداد المصريين الموجودين حالياً في الميدان، وهل أسهم خطاب الرئيس أمس في تقليل العدد أم العكس، وبعدها سيأتي رد الجيش، ولم يكن اندهاشي فقط لمنطقية تحليله، وإنما لأنه «أمّي» لا يقرأ، ربما تحليل لن يصل إليه أعتى الخبراء الاستراتيجيين في التلفزيون المصري.

المنوفية تعتذر

بالقرب مني كان أستاذ قانون بجامعة القاهرة، ووكيلاً لكلية الحقوق، في رداء الأساتذة يتحدث للعشرات من حوله عن شرعية الثورة، وإرادة الشعب، وكيف تذوب أمامها القوانين والدساتير المفصلة.

عشرات الصيادلة في أرديتهم البيضاء يطوفون الميدان رافعين شعار «صيادلة مصر يطالبون بإسقاط النظام»، وعن طريق مكبر صوت محمول، يشرحون كيف أصبح حال صناعة الدواء في مصر.

أطباء الأسنان، رفعوا صورة زميلهم شهيد جمعة الغضب. نقابة المحامين بدمياط وقف أعضاؤها في «البالطو الأسود» يطالبون بتمكين الشعب من وطنه. علماء أزهريون في عمائمهم الحمراء جاءوا ليتبرأوا من كل فتاوى شيوخ الحاكم، فلا التظاهر حرام، ولا المطالبة بالحقوق عقوق، وإنما «من مات دون مظلمته فهو شهيد»، شباب كفر حكيم، يرفع شعار «النهاردة آخر يوم.. يا تمشي بكرامتك يا تتحاكم»، آخرون رفعوا: «شباب المحلة الكبرى.. عايز يعيش حياة حرة»، أما محافظة المنوفية التي خرج منها الرئيس السابق مبارك فإنها «تعتذر للشعب المصري» وإلى جوارها لوحة كبيرة عليها «إذا كنت دكتوراه في العناد فنحن أساتذة في فنون الصبر»، ولو كان قرأها من كتبت له، لأيقن أن المعتصمين في الميدان قرروا أن يبقوا في الميدان حتى تتحقق مطالبهم، وإن ظلوا أبد الدهر في العراء.

مئات الألوف ظلوا معتصمين داخل خيام مصنوعة من أكياس البلاستيك، لم يتزودوا سوى بمجموعة بطانيات وبعض الأطعمة، وبكثير من الروح الثائرة، كثيرون أيضا اصطحبوا أسرهم، معلنين «يا نعيش سوا يا نموت سوا»، وكل منهم يخبر عن نفسه من خلال ورقة أو لافتة كتب عليها ما يعن على خاطره.

أما الذين جاءوا ليشاركوا كأفراد ظلوا يجولون على صور الشهداء والمعارض الفنية المفتوحة فوق جدران الميدان وأعمدة الكهرباء والأسوار، وكان أحد هذه المعارض، يضم صورا كاريكاتورية لمن أسموهم أعداء ثورة الشعب، قنوات تلفزيونية ومذيعون ولاعبو كرة قدم وفنانون ومشاهير وصحافيون ورجال أعمال، وهؤلاء هم من اتهموا شباب الثورة بالعمالة والخيانة وبيع الوطن.

كانت الحكومة في الميدان هي الكلمة، والرغبة في التغيير، فلا أحد يشعر بالإهانة حين يقوم أحد بتفتيشه أو يمنعه من العبور من مكان محدد، الكل جاء من أجل تحقيق الهدف.

صلاة ولحظة فرح

وجاء الهدف بعد صلاة المغرب التي أدتها الجموع في ساحات الميدان، لحظة هستيرية بكل تفاصيلها، مزيج من صيحات الفرح غير المفهومة، أجساد تتطاير في الهواء، المئات يخرون ساجدين، شكراً، زغاريد انطلقت على ألسنة النساء، النشيد الوطني تعالى حتى طال السحاب، في الوقت نفسه كانت هناك جموع من المصلين الذين دخلوا صلاة المغرب متأخرين، يحيطهم بعض الشبان لحمايتهم يهرولون في صلاتهم لإدراك ما يجري، أما الذين يحيطون بهم فبعضهم جرى لاستقصاء ما تم الإعلان عنه، في الميدان استطاع بعض الشبان مع أول أيام الاعتصامات وضع شاشتين كبيرتين لنقل بث قناة الجزيرة تحدياً للإعلام المصري، بالإضافة إلى جهود أخرى لنقل الأخبار عن طريق إذاعات داخلية عبر مكبرات الصوت، ومع ذلك كان من الصعب أن يستطيع الملايين الموجودين متابعة ما يدور. وكان المشهد الأبرز بعد ذلك إعلان بعض الشبان الذين دخلوا في نوبة بكاء، غير مصدقين، فيما كان يصرخ آخرون ممن لم يصل إليهم الخبر، ماذا حدث؟ وعندما علموا ثم أعادوا السؤال مرارا وتكرارا على آخرين، ولم يجد الكثيرون بدا من الاتصال بذويهم ممن يجلسون أمام الشاشات لمتابعة الأخبار.

حين لا يكون للفرحة حد فإنك تبدو في الغالب كالمجنون، إذ تكون ردة فعلك غريبة بعض الشيء، ما حدث كان كبيراً لأنه أريد له أن يأتي بدماء الأبرياء، هكذا وجد كثير ممن كانوا في التحرير أنفسهم يخرجون دون إرادتهم إلى الشوارع، وكان المشهد أسطورياً، كان الشباب يتعلقون بالسيارات والحافلات الموجودة في الشوارع دون اعتراض أصحابها، ليحتفل الجميع معاً، ولم يكن غريبا أن تطلب من أحدهم أن يحملك على أكتافه ويطوف بك أحد الشوارع، والذين منعتهم الظروف من المشاركة في الاعتصامات نزلوا للاحتفال.

النشيد يصعد عالياً

أبواق السيارات كانت تعزف النشيد الوطني في سيمفونية موسيقية رائعة، والذين ركبوا مترو الأنفاق لم يحرمهم سائقو القطارات من هذا العزف، كانت محطات المترو جميعاً تضج بالأغاني وصياحات النصر، وفي داخل المترو تتواصل الأغاني ويبادر أحد الشباب ليزيل بقلم أسود اسم محطة مبارك من فوق دليل المحطات الموجود أعلى أبواب النزول ويكتب بدلاً منه (شهداء الحرية).

تفتح أبواب «المترو» في محطة مبارك لينزل معظم الركاب باعتبارها محطة التحويل الوحيدة إلى بقية خطوط المترو الأخرى، بعد إغلاق محطة السادات (ميدان التحرير)، يتجه أحد الشباب في غمرة الهتافات والصيحات ويحاول أن يزيل اسم مبارك من فوق اللوحة الرئيسة للمحطة، فتعلو الهتافات «اللي يحب مصر ما يخربش مصر» ليتراجع الشاب رافعاً يده معتذرا للجميع. على طول الطريق تتناهى إلى مسامعك أغان وطنية قديمة، تعرف طريقها جيداً إلى نفوس من يسمعونها، ولا مكان لأغاني مباريات كرة القدم، التي غناها أصحابها وتواروا حين جاءت ساعة الحقيقة. وقد جاءت ساعة الحقيقة التي انتظرها المصريون عقوداً متواصلة ليستأنفوا الحياة التي اختاروها، معلنين أن الفراعين مكانهم في المتاحف الوطنية.

طباعة