«البوعزيزية».. ملاذ الجزائريين الأخير

شقيقة ضحية قتل في تظاهرات بوسماعيل في الجزائر. رويترز

على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها السلطات لخفض الأسعار، حاول ثمانية جزائريين الانتحار في الأيام الأخيرة بإضرام النار في انفسهم، احتجاجاً على ظروفهم المعيشية، في ظاهرة باتت تعرف بـ«البوعزيزية»، نسبة الى الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الذي اشعل انتحاره ثورة أطاحت زين العابدين بن علي.

وسجلت آخر هذه المحاولات عندما همّ أب لستة ابناء يعمل بائعاً متجولاً بإضرام النار في نفسه في مدينة الواد في اقصى الشرق الجزائري، قرب الحدود مع تونس، بعد مشادة مع شرطي أراد منعه من عرض بضاعته في السوق، وعمد البائع ويدعى عفيف حضري الى صبّ البنزين على نفسه، الا انه لم يتمكن من اشعال النيران، لان المحيطين به نجحوا في منعه من ذلك، كما افاد صحافيون محليون.

وتكشف المحاولات المتعددة للانتحار في الجزائر، مدى الضغط الذي تعانيه فئة كبيرة من المجتمع لم تجد أمامها إلا حرق نفسها لتسمع صوتها للمسؤولين، كما يؤكد خبراء، وبحسب الباحث الاجتماعي في جامعة الجزائر توفيق قطوش فإن «النار أصبحت رمزا فعالا لإثارة الانتباه»، لان الانتحار «ليس ظاهرة جديدة في الجزائر وهي منتشرة بكثرة»، لكن الاسلوب الجديد بإضرام النار في الجسد «هو الذي جعل وسائل الاعلام توليها كل هذا الاهتمام».

وكانت الجزائر شهدت بداية الشهر الجاري موجة من الاحتجاجات العنيفة، ادت الى مقتل خمسة اشخاص وإصابة 800 آخرين، أغلبيتهم من رجال الشرطة، فضلا عن تسببها في أضرار مادية جسيمة. ورغم الاجراءات التي اتخذتها الحكومة من خلال الغاء الضرائب على السكر والزيت لتخفيض الاسعار، إلا ان ذلك لم يوقف الاحتجاجات كلياً، حتى وان خفت حدتها اليوم واقتصرت على التعبير الفردي عما يسميه الجزائريون «الحقرة»، وتعني الظلم المقرون بالاحتقار.

وخلال اليومين الماضيين فقط، حاول ثلاثة أشخاص الانتحار بإضرام النار في انفسهم، وقد جرت تلك المحاولات في كل من محافظة بومرداس (40 كلم شرق الجزائر العاصمة)، والواد قرب الحدود التونسية (650 كلم جنوب شرق الجزائر)، بينما شهدت محافظة سيدي بلعباس (460 كلم غرب الجزائر) أول محاولة انتحار لامرأة، ووقعت كل هذه الحالات بالقرب من مقرات البلديات (المجالس المحلية).

ويقول قطوش ان «الظاهرة كشفت أن المسؤولين لا يتعاملون مع شكاوى المواطنين بالفعالية اللازمة».

وتحدثت الصحف الجزائرية عن «تعليمات» وجهها وزير الداخلية والجماعات المحلية، دحو ولد قابلية للولاة، يأمرهم فيها «باستقبال المواطنين كامل ايام الاسبوع، بدل تخصيص يوم واحد في الاسبوع، كما هو معمول به في الوقت الحالي». وحاولت صحيفة «الجزائر نيوز» منذ ثلاثة أيام، القيام باستطلاع في اروقة المجلس الشعبي الوطني (مجلس النواب في البرلمان)، حول المشكلات الاجتماعية التي تدفع الشباب للتظاهر، فتفاجأت بأن النواب غائبون ولم تجد من تتحدث معه، فتساءلت «اذا غاب النواب في مثل هذا الوضع فمتى يحضرون؟». وأصبح كتّاب الافتتاحيات في الصحف الجزائرية يربطون مباشرة بين ما أصبح يسمى بظاهرة «البوعزيزية» في تونس، والمحاولات المتكررة لتقليدها في الجزائر، على امل أن تكون لها نتائج التغيير نفسه الذي احدثته في الجارة تونس. أما قطوش فيربط مباشرة بين ظاهرة «الحراقة» وهو مصطلح جزائري يطلق على المهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا باستعمال الزوارق الصغيرة، وظاهرة «حرق النفس»، ويقول إن كليهما «ناتج عن فقدان الامل في تحسن الاوضاع الاقتصادية».

طباعة