الابتهاج بهروب الرئيس التونسي يعطي درساً للقادة العرب

متظاهر تونسي يحمل علم بلاده خارج القفص في إشارة إلى الحرية خلال تجمع حاشد أمام وزارة الداخلية. أ.ف.ب

بعد ساعات من هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، يوم الجمعة، عقب مذيع في إحدى القنوات التلفزيونية على الحادث بنبرة النصر، مشيرا إلى أنه هذه المرة الأولى التي تطيح فيه احتجاجات شعبية بنظام حكم في الوطن العربي، وقرأ أبيات من شعر أبي القاسم الشابي التي تقول «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد للقيد أن ينكسر».

لقد كهربت الانتفاضة التونسية المنطقة برمتها، ويرى المتحمسون أن ما حدث عبارة عن «جي دانسك»، وهو مكان التماسك في بولندا، الذي أعلن فيه عن نهاية الحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية.

يبدو ذلك سابقا لأوانه خصوصا في ظل الضبابية التي تشوب الحكومة المقبلة، كما أن تونس بعيدة عن مركز العالم العربي. وقد وقعت التظاهرات في الوقت الذي يشهد فيه العالم العربي إحباطا غير مسبوق، بسبب الغلاء أو البطالة أو حالة التذمر من دعم الحكام للسياسات الأميركية، أو حالة اللامبالاة إزاء الحملات العسكرية في لبنان في ،2006 وغزة في .2009

وصفت التظاهرات في تونس بأنها انتفاضة شعبية، تتخطى حدود الدين والإيديولوجية، لتعطي نموذجا جديدا مختلفا عن النمط التقليدي الذي كان محتكرا من طرف الجماعات الإسلامية.

ويقول رئيس مركز دراسات الشرق المعاصر، برهان غليون، «تحية إلى تونس التي فتحت الباب أمام العالم العربي لنيل الحرية».

وفي الواقع، فإن مشهد الحشود في الشوارع بعد عقود من الحكم المتسلط، من طرف حكومة مدعومة من الولايات المتحدة، يبدو ترياقا لحالة اليأس التي يعيشها العالم العربي منذ سنوات، بسبب المجازر في العراق، والانقسام الفلسطيني والعناد الإسرائيلي، والخلاف الحاد بين الحاكم والمحكوم، حول كل المسائل المتعلقة بالسياسة الخارجية، تقريبا.

يأتي نجاح الحركة الاحتجاجية في الوقت الذي تشتكي فيه الجماهير العربية حكومات تبدو عاجزة عن تلبية متطلباتها، وليست لها إيديولوجية عدا ديمومة السلطة.

ونقرأ على موقع «تويتر» الاجتماعي مقولة لأحد المدونين البحرينيين، يدعى محمد المستكي، «لقد حدث خلال حياتي!»، مضيفا، «لقد استيقظ بلد عربي وقال هذا يكفي». ويوم الخميس، عندما كانت الاحتجاجات في تونس على أوجها، وجهت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون انتقادا لاذعا للقيادات في العالم العربي، الذي يعيش احتقانا سياسيا واقتصاديا. وتبدو تصريحاتها محاولة لتغيير موقف أميركا التي دعمت نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، الذي كان شريكا في ما تسميه الحرب على الإرهاب. لعل الفضل يعود إلى الشاب التونسي محمد البوعزيزي، الذي أضرم النار في نفسه بعدما حجزت السلطات عربة كان يستخدمها في بيع الخضراوات، إذ أدى الحادث إلى اندلاع التظاهرات. وقد وصفته صفحة على موقع «فيس بوك» الاجتماعي، بأنه «رمز الثورة التونسية»، وجاء على الصفحة، «رحمة الله عليك يا شهيد تونس، وعلى جميع شهداء تونس، تحترق الشمعة لتضيء، وتقهر شمعة واحدة كل أصناف القمع».

ويقول الصحافي والمعارض السياسي، الذي انضم إلى عشرات المتظاهرين أمام السفارة التونسية في القاهرة عبدالحليم قنديل، إن «مصر بحاجة إلى رجل مثل محمد بوعزيزي»، إلا أن المتظاهرين في مصر عادة ما يكونون في أعداد قليلة بسبب الاختلاف بين الناشطين العلمانيين والإسلاميين. أما في لبنان، فقد انتهت المسيرات والتظاهرات عقب اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، بانقسامات أعمق بين أطياف الشعب اللبناني، الذي يخضع لتجاذبات المذاهب والطوائف والولاءات الخارجية.

الاحتجاجات في تونس كانت بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية والفساد والبطالة والقمع، المظاهر التي تعانيها دول كثيرة حول العالم. وفي المغرب والجزائر ومصر والأردن، نظمت مسيرات واحتجاجات للأسباب نفسها، إلا أن التشابه بين مصر وتونس لافتا، إذ يسود البلدين نظامان يحكمان القبضة أمنيا على كل شيء، في الوقت الذي تراجع فيه الدعم الشعبي وتزايدت المطالب من الطبقة المتعلمة، التي تعاني الإحباط.

ويقول مدير معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، رامي خوري، إنه «الإدراك المتزايد بأن المزيد من الناس يتم تهميشهم وإفقارهم، والحياة أصبحت أصعب أكثر فأكثر».

 

أنطوني شديد كاتب في «نيويورك تايمز»

طباعة