شبح الماضي الدامي لايزال يطارد إيران

الإيرانيون احتفلوا أخيراً بذكرى الثورة الـ.30 إي.بي.إيه

جميع الثورات، كما أعتقد، لها رمزيتها ومضامينها، ففي رواية تشيخوف «حديقة الكرز»، تشبه الثورة صوت سلسلة حديدية مرتبطة بسطل يتدلى من عمود في اعماق منجم. وفي فرنسا فإن الثورة هي سان كولييت، وربما تنطبق الحال نفسها على ايران، وهو ما اكتشفه احد زملائي والذي غامر في الدخول للبلاد عبر الحدود الايرانية السوفييتية، فوجد هناك احد مراكز التنصت الأميركية القديمة، والتي لاتزال قائمة، ووجد عندها إيرانيين ثوريين أصابهم الإنهاك وهم يحدقون في الشاشات المضيئة يتتبعون الطائرات السوفييتية داخل المجال الجوي السوفييتي، ويتساءل صاحبي: لماذا لايزال الايرانيون يشغلون هذه القواعد؟ وتجيئه الاجابة بأبسط ما يتوقع: لأنهم لا يعرفون كيف يغلقونها.

محاكم ثورية
وبالنسبة لي، فإن الثورات ينبغي ان تكون لديها قاطرات ـ وتتبادر إلى ذهني قاطرة ستريلوخوف البخارية العظيمة في د. زيفاكو ـ وتقفز للذاكرة ايضا القاطرات الايرانية العظيمة قبل الثورة التي يبلغ طولها في بعض الاحيان 20 او 30 عربة، مهشمة النوافذ مغطاة بصور الشهداء، والتي أخذتني بعيدا عن طهران في رحلة طويلة عبر البلاد.

توقفت في محطة قم، حيث رأيت جمهرة من الناس تمضي في طريقها نحو احد المحاكم الثورية، وفي هذه المحكمة وقف احد ضباط عهد الشاه يدافع عن نفسه بعد اتهامه بقتل متظاهرين مناهضين للشاه. ماأزال اتذكر اسمه (رستمي)، واتذكر أخاه الذي جاءني باكيا لأتدخل، لم اكن استطيع ان افعل له شيئا، طوقته الجماهير، هي الجمهرة الغوغائية نفسها، كما اعتقد التي هتفت ضد الارستقراطيين في باريس حينما واجهوا المقصلة.

لم تكن هناك رحمة في بدايات الثورة الايرانية، ولم تفعل جميع المحاكم سوى الحكم بالاعدام على الرجال، ولكن، الم يكن هناك عدم رحمة في فترة ما قبل الثورة عندما كان حرس الشاه «الخالدون» يذبحون الجماهير من دون رحمة، اتذكر محكمة أخرى في طهران عندما هتف رجل ضد احد افراد جهاز الامن البغيض المسمى (السافاك)، والذي كان يعذب الناس في عهد الشاه، «لقد قتلتم ابنتي، لقد حرقتموها حتى العظم الى ان اصيبت بالشلل، لقد شويتموها»، فالتفت رجل السافاك للخلف مطالعا الرجل المفجوع في ابنته وقال له بهدوء «لقد شنقت ابنتك نفسها بعد سبعة اشهر في الحجز».

حتى القتلة لديهم اسرار قليلة لنا، اسرار عن علاقتهم الحميمة واللصيقة على سبيل المثال بالعملاء البريطانيين ونظرائهم من السافاك، انها تشبه العلاقة نفسها التي تربط دولتنا مع رجال التعذيب الباكستانيين او الأميركيين، من السهل ان اسمع صوت الشر، هناك العديد من الأقنعة التي يمكن شراؤها بسهولة، قناع يشبه الشاه يبرز منه قرنان والذي عندما ارتديته صرخ الإيرانيون ضدي فأسرعت بخلعه.

ينبغي ألا ننسى ان العرض الاكبر في المدينة والذي لا يتمثل في تلك المحاكمات واحكامها الكارثية، وانما في الاستيلاء على السفارة الاميركية من قبل مجموعة من «الطلاب الذين يترسمون خطى الامام». قضت تلك الحادثة مضجع الرئيس الاميركي الأسبق جيمي كارتر لمدة 444 يوما، وبالنظر للوراء الآن فإن كارتر ـ صانع السلام العاقل في الشرق الأوسط ـ لم يدرك اليوم نتيجة ما صنع في إيران، اذ كيف سمح للشاه بالقدوم لأميركا، انه المستشار القوي في ذلك الوقت هنري كيسنجر.

كشف المستور
قضى الطلبة سنوات عديدة يعيدون تجميع المكاتبات الدبلوماسية الممزقة، التي تجرم المسؤولين الإيرانيين الحاليين والسابقين لعلاقتهم مع وكالة الاستخبارات الاميركية المركزية (سي آي ايه)، وعملت الفرق التي ترأستها احدى النساء مثل خياطي السجاد والتي اعادت الحياة لجميع تلك الوثائق. تجولت ذات مرة في مكتبات الشاه، حيث رأيت مجلدات مغلفة بالجلد لفولتير، فيرلان، فلوبيرت، بلوتارخ، جويبلز، شكسبير، تشارلس دي غول، تشرشل وكولوريدج. وكتاباً «شعبياً» لابي ايبان مهدى من المؤلف نفسه الى «فخامة سيدي ملك الملوك».

أصبح حب العظمة رديفا له، اقام عرضا للروديو في مدينة اصطخر لتكريم اجداده ـ الأسرة البهلوية والتي استقدمها البريطانيون كمشروع استعماري، رأيت حمام الشاه بحنفياته المطلية بالذهب والذي اثار غضب الملايين من الشعب الايراني في بلد وصفه أية الله روح الله الخميني بأنه عبارة عن حي للفقراء.

لا ننسى ايضا ذلك الرجل الذي حدقنا فيه والذي يلبس معطفا اسود، جلست امامه ذات مرة في احدى المقابلات التي اجرتها شبكة اميركية. عندما يتحدث الخميني فإنه يحدق في ضوء صغير في الارضية كأنما ذلك الضوء يمثل شيئا مقدسا، لم يكن يشبه روبسبير او تروتسكي.

بدا الامر جديا انها الثورة الاسلامية الاولى في ذلك الوقت والتي اعلن زعيمها أنه القائد الروحي لها والراعي جميع شؤونها، وفي الوقت الذي ظل هو كما كان من قبل فإن الثورة التي خلقها أصبحت مخلوقا غريبا، والذي يبدو في بعض الأحيان وحشياً وساذجاً، مستفزاً وخطيراً، عندما غزا صديقنا صدام حسين الخميني أرسل شبابه للموت بعشرات الآلاف.

سلطة الموتى
غمر النور القرمزي نافورة المياه بمقبرة بهشت زهراء العظيمة القريبة من المكان الذي يرقد فيه الان ذلك الرجل ـ وفي ما بعد رأينا الجثامين تصل المكان بالمئات.

اعتقد أن حرب الأعوام الثمانية بين العراق وإيران هي البرهان النهائي للثورة، لم تسقط ايران، كما كانت الولايات المتحدة تأمل، لكنها بدلا من ذلك دخلت في حالة من الركود المعوي، او حالة من الطفولة لم تصحُ منها ابدا. قد تكون العبارة الفرنسية «الصبيانية» اقرب للصواب، لكن يمكننا ان نقول: ان ايران اصبح يحكمها الموتى «النيكروكراسيه».

هناك الكثير الذين شاهدوا ما جرى، اية الله الطلقاني على سبيل المثال كان كثير الانتقاد للدولة الدينية الخمينية، ثم جاء محمد خاتمي الرجل المدني الاصيل الذي حاول تغيير السيطرة التي فرضها الخميني المقبور، لكنه تعرض للهزيمة لانه لم يترك مناصريه يموتون في شوارع طهران.

المحك الحقيقي لإيران بطبيعة الحال يكمن في كيفية تخلصها من هذا النظام الشبحي، لا نعني بذلك أن رجال الدين أغبياء، وذلك هو الخطأ نفسه الذي ارتكبه كارتر، لكننا نعني أن إدارة دولة قوية تتطلب أكثر من درجة جامعية في العلوم الإسلامية، والعلاقات الخارجية هي المجال الذي فشل فيه الإيرانيون كثيرا، فهم غالبا ما يبالغون في التقدير او يقللون من شأن اعدائهم. رجال الدين الايرانيون يكرهون كلا من «الطالبان» و«صدام البغيض»، ثم جاء الاميركيون ودمروا كلا العدويّن.

المصالح هي التي تحكم
هل كسبت الثورة الإيرانية بعد 30 عاما من قيامها؟ ربما تكون قد فشلت في ايامها الاولى عندما كانت محاكم الخميني تخشى الانقلابات، وربما كان ذلك هو السبب في كل فرق الاعدام. لم ينسوا كيف اطاحت الـ(سي آي ايه) وجهاز الاستخبارات البريطاني (ام 16) حكومة محمد مصدق المنتخبة ديمقراطيا في انقلاب عام 1953.

قابلت البريطاني الذي دبر ذلك الانقلاب، كان كريستوفر مونتاغيو استــاذ في اللغة الاغريقية، كما انه كان رجل عصابات تحت الاستعمار الالماني لليونان، وبعد 40 عاما عبر لي عن شعوره الخاص بالذنب، «في بعض الأحيان يقول لي البعض: انني فتحت الباب واسعا امام آية الله الخميني والاخرين»، ويضيف «بيد ان هناك ربع قرن قد مضى بين تلك العملية وسقوط الشاه».

روبرت فيسك، كاتب بريطاني مهتم بشؤون الشرق الأوسط.

طباعة