ضحايا غزة شهود على استخدام إســرائيـل للقنابــل الفوسفوريــة

الطفلة هديل السموني أصيبت بتهتك في الدماغ نتيجة تعرضها لشظايا القذائف الإسرائيلية. الإمارات اليوم

في خضم تطورات الحرب الإسرائيلية غير المتكافئة على قطاع غزة، تنكشف داخل مستشفيات القطاع مشاهد مأساوية مروعة، حيث الأطفال الذين فقدوا عيونهم أو أطرافهم أو أصيبوا بتهتك في أجسادهم، ومنهم من احترق جسده جراء استخدام إسرائيل أسلحة خطرة أخطرها الفوسفور الأبيض، أما جثث الشهداء فيتم إحضارها وهي مقطعة إلى أشلاء ومتفحمة، ويصدر عنها رائحة قوية نتيجة احترق اللحم والجلد، وهذا يؤكد ضراوة الرصاص المسكوب على اللحم الحي.

ويوثق الأطباء العرب والأجانب الذين قدموا إلى غزة خلال الحرب عبر معبر رفح بشاعة مشاهد الحالات التي تصل إلى المستشفيات من الجرحى والشهداء، حيث أنها أغرب ما شاهدوه طوال فترة عملهم، مؤكدين أن سببها هو أسلحة خطرة ومحرمة، وأخطرها القنابل الفوسفورية الحارقة التي تطلق على منازل المواطنين وفي غالبية مناطق القطاع، حيث تسببت في حرق وقتل عائلة فلسطينية تقطن في بلدة عبسان شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع.

طفل يفقد بصره

والتقت «الإمارات اليوم» بالطفل لؤي صبح 10 أعوام، وهو ينتظر داخل سيارة الإسعاف لنقله إلى معبر رفح لتلقي العلاج في المملكة العربية السعودية، حيث أصيبت عيناه وفقد بصره، وأصيب رأسه بجروح كبيرة نتيجة إطلاق قنبلة حارقة عليه هو وابن عمه حسام 12 عاماً الذي حولته إلى أشلاء محترقة، وذلك خلال وجودهم في محيط منزلهم ببلدة بيت لاهيا شمال القطاع.

ويستذكر الطفل لؤي ما حدث معه وشاهده قبل أن يفقد البصر، حيث قال: «عندما أعلنت إسرائيل أن هناك هدنة لمدة ثلاث ساعات، خرجت أنا وابن عمي من مدرسة الأونروا في مخيم جباليا التي لجأنا إليها في ظل الحملة العسكرية في بلدة لاهيا التي نقطن فيها، وتوجهنا إلى منزلنا لإحضار ملابس لإخوتي وأبناء عمي الأطفال، وقبل أن نصل سقطت علينا قنبلة صدر منها كتل حمراء، وبعد ذلك لم أشعر بما حدث معي أنا وابن عمي». وأضاف: «وبعد أن أجري لي العلاج داخل المستشفى فقت من الغيبوبة، ولكن لم أرَ شيئاً حولي، فصرخت كثيراً، ليخبرني الأطباء بعد ذلك أنني فقدت بصري، وأن ابن عمي حسام استشهد بعد أن تقطع جسده واحترق».

وأوضح أسامة صبح والد الطفل لؤي أن حالة طفله تحتاج إلى عملية جراحية في رأسه الذي أصيب بجروح كبيرة تسببت في فتحه، كما يحتاج إلى عملية لعينيه، مشيراً إلى أنه حصل على تحويله للعلاج في المملكة العربية السعودية.

وأشار إلى أن لؤي مكث ما يقارب 10 ساعات داخل سيارة الإسعاف ينتظر سماح إسرائيل بدخول الجرحى الحاصلين على تحويلات للعلاج في الخارج عبر معبر رفح، ولكنها رفضت ذلك، حيث تفصل الآليات الإسرائيلية جنوب القطاع عن وسطه وعن مدينة غزة، ما دفع بدخول ما يقارب ٣٠ سيارة إسعاف من الجانب المصري تمكنت من نقلهم.

تهتك في الدماغ

أما الطفلة هديل السموني 11 عاماً، فهي أحد الناجين من عائلتها التي تعرضت لإبادة من القوات الإسرائيلية المتوغلة في حي الزيتون شرق غزة، ولكنها ترقد داخل قسم العناية المركزة، ومصير بقائها على قيد الحياة غير معلوم، فهي مصابة بتهتك في الدماغ نتيجة إصابتها بشظايا القذائف الإسرائيلية.

مشاهد غريبة

من جهة أخرى، أكد الطبيب الأردني محمد الخوالدة أخصائي دماغ وأعصاب، والذي يتواجد في غزة، «لقد شاهدت خلال تطوعي ومساعدتي للأطباء الفلسطينيين مشاهد مروعة وغريبة لم أشاهد مثلها في الخطورة والضخامة والعدد طوال فترة عملي، لقد شاهدت أطفالاً ومواطنين بلا جماجم، ومنهم من أُحضر وجمجمته خاوية من أي شيء، إضافة إلى أجساد الشهداء التي أُحضرت وهي محترقة وذائبة، وتصدر منها روائح احتراق».

وتابع قوله: «لقد حضرت لي حالة طفل يبلغ من العمر سبعة أشهر، وقد أصيب بتهتك شديد في الدماغ نتيجة سقوط قذائف على منزلهم في بيت لاهيا شمال القطاع، ويبقى مصير الطفل مجهول إما الوفاة، أو مشروع إعاقة طوال حياته».

وأضاف: «إن هذه الإصابات غريبة، وأن سببها هو شيء غريب وخطير، ونستدل مما شاهدناه من حالات خصوصاً الاحتراق والتقطع الغريب أن سببها هو استخدام الفوسفور الأبيض الحارق، وأسلحة خطرة».

وأوضح الطبيب الأردني أن القذائف التي تطلقها إسرائيل يصدر عنها أعمدة دخان تنتشر في السماء وتبقى لوقت طويل، وتتحرك في السماء ببطء حتى يستنشقها عدد أكبر من المواطنين، لافتاً إلى أن استنشاق الغازات السامة الصادرة عن هذه القنابل تتسبب بحالات اختناق وهذيان لدى الناس، وتصيبهم بالقلق طوال الوقت، هذا إضافة إلى احتراق اللحم والجلد الذي تصيبه.

وذكر أن الوفد الأردني الذي حضر إلى قطاع غزة تسعة أطباء من تخصصات مختلفة، كما حضر 45 طبيباً مصرياً، واثنان من الجزائر، وثلاثة من اليمن، وواحد من المغرب، بالإضافة إلى عدد من الأطباء الأجانب الذين حضروا إلى غزة من النرويج.

رؤوس وأطراف

وقال الطبيب المصري أحمد الصروي أخصائي جراحة عامة: «لقد شاهدت خلال إجراء عمليات جراحية لضحايا الحرب من المدنيين خصوصاً الأطفال، طفلاً محترق الأطراف، وقد غطيت بطبقة صفراء قاتمة، والجلد قد ذاب، كما شاهدت شهداء قد أحضروا مقطّعين الرؤوس والأطراف، وكأن ساطوراً ضربهم بشدة وعن قرب، كما تصدر روائح قوية من الشهداء والمصابين نتيجة احتراق أجسادهم، وهذه ناتجة عن أسلحة خطيرة، خصوصاً القنابل الفوسفورية الحارقة».

وطالب الطبيب المصري وزراء الصحة العرب بأن يرسلوا أطباء مختصين بالطب الشرعي ومختصين بضحايا الحروب لتوثيق ما تستخدمه إسرائيل من أسلحة خطرة ضد المدنيين، وبأن يتم رفع ذلك للقضاء من أجل محاكمة إسرائيل كمجرم حرب.

وقال الطبيب الجزائري محمد خويدمي أخصائي طب كوارث وطوارئ: «لقد عملت في ظل الحروب المسلحة فترات طويلة، ولكن ما شاهدته في غزة كان فظيعاً حقاً، وغريباً بمعنى الكلمة، يتم إحضار الضحايا وأجسامهم غير مكتملة، وهناك من يتم إحضاره وقد تقطعت أطرافه ورأسه، وتهتكت أحشاؤه، وهذا يعود إلى أسلحة خطيرة جداً».

وأضاف: «نحن نسجل ملاحظاتنا ونوثقها، لنرفقها إلى الفرق الطبية المختصة للتحقيق في ذلك».

«الأونروا»

من جهة أخرى، قال مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في غزة «الأونروا» جون جنج خلال زيارة ميدانية لمستشفى الشفاء الطبي: «إن ما يجري في غزة مأساة مروعة، فالفلسطينيون المدنيون يدفعون ثمن الحرب، حيث هناك أطفال ونساء أبرياء مدفونون تحت أنقاض منازلهم وغير قادرين على الوصول إليهم لنقلهم، وهناك عائلات محاصرة داخل المناطق التي تشهد توغلات إسرائيلية تستغيث، ولكن الفرق الطبية والدولية غير قادرة على الوصول إليهم لأن كل شيء مستهدف».

وأضاف:«ان المواطنين غير آمنين داخل منازلهم، فالقصف يطال جميع المناطق، كما انهم يعيشون في ظل ظروف صعبة، حيث لا كهرباء ولا غذاء ولا دواء».

وطالب جنج بضرورة وقف الحرب في أسرع وقت حتى يتم نقل الضحايا من تحت الأنقاض، وحتى يتم الحفاظ بعض الشيء على أرواح الأطفال والمدنيين الأبرياء، مشدداً على ضرورة إبعاد الأمور السياسية عن حياة المدنيين الذين من حقهم العيش بكرامة.

وقال مدير عمليات الأونروا: «لقد حضرت إلى مستشفى الشفاء لكي أرى الحقيقة المرة، فأنا لست طبيباً، ولكن شاهدت مشاهد مروعة وإنسانية، واستمعت إلى الأطباء والمختصين خصوصاً من الفرق الطبية العربية والأجنبية، وأوضحوا لي أن عدداً كبيراً من الإصابات سببها استخدام أسلحة خطرة، فإسرائيل تتحمل مسؤولية ما تقوم به، ويجب أن يبحث في تفاصيل ذلك، وفتح تحقيق دولي».

طباعة