كـل يــوم

«لنتحدث» جميعاً هذه المرة

سامي الريامي

قد يبدو الأمر في وهلته الأولى بسيطاً وعادياً، لكنه ليس كذلك أبداً، أن تجلس وزيرتان في الحكومة الاتحادية لأكثر من ساعتين، في حلقتين منفصلتين، وسط ساحة مدرسة، مع طلبة وطالبات في سن المراهقة، تستمعان وتنصتان لهم بكل اهتمام، وهم يتحدثون بكل صراحة عن جميع ما يقلقهم، فالأمر فعلاً جدير بالتوقف والتفكر، لأن مثل هذا الأسلوب البسيط فيه حلول لكثير من المشكلات الكبيرة، ليست فقط تلك التي بين جدران المدارس، بل خارجها أيضاً.

مشكلات الطالبات والطلبة، التي ذكروها في الحلقة النقاشية، طبيعية جداً، وتحدث لمعظم من يمرّ بهذه الفترة العُمرية، فالطالبات قلقات ومتوترات من الامتحانات، ولديهن هاجس المحافظة على مستوياتهن ودرجاتهن، ويعانين عدم إلمامهن بكيفية تنظيم الوقت، أما الطلاب فمخاوفهم مختلفة، هم يمرون بظروف أصعب، يحتاجون إلى التوجيه بشكل مستمر، نظراً إلى تأثير الأصدقاء وضغط الأقران، هناك من يدعوهم إلى تجريب كل شيء، وهناك من يستصغرهم إذا لم يمسكوا في أيديهم سيجارة أو «دوخة»، لذا فإن أهمية هذه الحلقات التي انطلقت في المدارس ضمن مبادرة «لنتحدث»، تبدأ من هنا، حيث يتعلم الطالب والمراهق أن يتحدث بكل صراحة عن كل ما يقلقه، ثم يجد الحل من متخصصين راشدين ومتمكنين وأصحاب مهارة في التوجيه وعلم النفس، وإذا استطاع هؤلاء المتخصصون إبعاد هذا الطالب عن السيجارة الأولى، فلاشك إطلاقاً في أنهم سيبعدونه عما هو أكثر من ذلك!

المشكلات الكبيرة لا تحل دائماً بطرق معقدة ومكلفة، قد يكون الحل أبسط مما يعتقد البعض، ومثل هذه الحلقات النقاشية قد تكون مفيدة في كل مكان، ولكل فئة، وبغض النظر عن الأعمار أو الجهات أو الفئات المستهدفة، فهي مفيدة في كل قطاع، سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً أو غير ذلك.

فما أحوجنا اليوم إلى أن نخصص وقتاً داخل الأسرة، نجلس فيه «لنتحدث» مع أبنائنا، نحتاج إلى أن نتواصل معهم فعلياً وواقعياً بعيداً عن التواصل الافتراضي، ونحتاج إلى أن نقترب منهم أكثر، لنعرف كل ما يقلقهم، وما يخيفهم، وما يشغل تفكيرهم، وهذا بداية الحل، وبداية التوجيه الصحيح، وفي ذلك حماية لهم من كل شر ومكروه، ومن كل ظاهرة سيئة أو سلوك خاطئ.

وما أحوج الشباب والشابات من رواد الأعمال مثلاً إلى جلسات نقاشية في ساحة مفتوحة مع المسؤولين الحكوميين، ليتحدثوا معهم عن التحديات التي يواجهونها، وعن مقترحاتهم، وعن معوقات العمل التي تقيدهم، وما أحوج التجار ورجال الأعمال أيضاً إلى الجلوس في حلقات نقاشية مع المسؤولين عن الاقتصاد، سواء المحليون أو الاتحاديون، فبالتأكيد لديهم أيضاً شغف للتحدث، وما أحوج أهل الرياضة، والثقافة، والفن، وشباب الجامعات، والأطباء، وغيرهم للحديث عن كل ما هو إيجابي وسلبي، فالحديث في حد ذاته بداية الحل لأي مشكلة.

«لنتحدث» هي مبادرة بسيطة من بنات أفكار كل من جميلة المهيري وزيرة دولة لشؤون التعليم العام، وعهود الرومي وزيرة دولة للسعادة وجودة الحياة، استهدفت الطلاب في المراحل الدراسية، لكنها بحق فكرة تستحق أن تخرج من ساحات المدارس لتصل إلى مختلف ساحات المجتمع، وهي جديرة بأن تنال اهتمام كل مسؤول في جميع مجالات الإدارة الحكومية.

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة