5 دقائق

البخيل وأنا

د. علاء جراد

البخل من أقبح الصفات البشرية وأذمّها، وهو آفة لا أظن أن لها علاجاً. من الممكن أن يدمر البخل حياة الكثيرين، فهو السبب في كثير من حالات الطلاق، ويؤدي إلى اتخاذ الإنسان قرارات ضد المنطق والعقل أحياناً، مثلما شاهدنا في رائعة الفنان الكبير فريد شوقي مسلسل «البخيل وأنا»، حيث كان شديد البخل يُخفي أمواله عن أبنائه وزوجته ويعيشون في جوع وفقر مدقع، ما جعل ابنته تتزوج فقط لتهرب من الجوع. وقد وثق الجاحظ الكثير من القصص عن البخل والبخلاء في رائعته «البخلاء»، ولقد نهى القرآن الكريم في أكثر من سورة عن البخل، وكذلك استعاذ الرسول، صلى الله عليه وسلم، من البخل.

قد يصل البخيل لدرجة لا يتخيلها إنسان من الجحود والدناءة، فمن القصص الشهيرة قصة «هيتي غرين» التي عاشت في نيويورك بوجهها البائس وملابسها الغريبة، وكان الجميع يلقب هذه المرأة بـ«ساحرة وول ستريت»، لغرابتها ومظاهر فقرها، لكن في الحقيقة هذه السيدة كانت تملك 3.8 مليارات دولار. وقد ولدت هيتي لعائلة ثرية، وكانت الابنة الوحيدة لأحد المموّلين، ووصل بخلها إلى التسبب في بتر قدم ابنها، حيث صدمته سيارة فأصيبت قدمه إصابة بالغة، فقامت باصطحابه إلى عيادة مجانية، وحين طلب الأطباء منها أن تدفع رفضت وأخذت ابنها إلى المنزل. وقد ساءت حالته، ما أدى في نهاية المطاف إلى بتر ساقه!

هذه الآفة الذميمة ليست قاصرة على البخل المادي والشح من ناحية إنفاق المال فقط، لكنها دائماً تقترن بالبخل العاطفي لدرجة يكون فيها البخيل متبلداً سميك الجلد لا يشعر ولا يخجل ولا يستطيع أن يقول حتى كلمة شكراً، ينعزل عن الناس حتى لا يضطر للمشاركة في الواجبات الاجتماعية والمجاملات، وبالتالي لا يتعامل إلا مع البخلاء مثله، ومن السهل اكتشاف البخيل، حيث إن سلوكه الفج وخوفه الشديد من الإنفاق يبدو واضحاً وجلياً، ولا يبذل أي مجهود في إخفائه. لقد عاصرت تجربة مع أحد هؤلاء لفترة، ومع أنه ميسور الحال فقد كان بخيلاً لدرجة أنه يعيش دون جهاز تكييف في درجة حرارة تتخطى السادسة والأربعين، حتى لا يدفع فاتورة كهرباء عالية، ويقتصد في طعامه بطريقة لا يمكن تصورها، ولكن إذا تمت دعوته لوجبة في مطعم لن يدفع ثمنها كان يختار الوجبة الأعلى ثمناً والأكثر كمية. من الدروس المستفادة أن البخل ليس له علاج، فإن كان حظك سيئاً وابتليت بشخص بخيل، إما أن تتعايش مع هذا الوضع فلا تشتكي، أو تهرب بجلدك، أما محاولات التغيير فلا فائدة منها.

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة