5 دقائق

براءة الأدب من سيد قطب

5 دقائق

براءة الأدب من سيد قطب

سلطان فيصل الرميثي

احترف «الإخوان المسلمون» صناعة الرموز وتقديسها، وكان مما صنعوا وثن لسيد قطب، سموه الأديب الجهبذ والناقد والمفكر الفذ. في صباه قرأ سيد قطب كتب التنجيم والشعوذة على أهل قريته الذين تعلقوا به ليطلعهم عما يقرّب بين الحبيبين ويحرس من العين، منحته تلاوة الخرفات سلطة على جهلاء، يُسرّون له بشؤونهم الحميمية الخاصة، لتنتفخ الأنا في الصبي.

الفلاحة لم تعد مهنة وجهاء مصر، فحلم بأن يصير أفندياً بطربوش يعيش في القاهرة مثل خاله الأديب. وقتئذ اشتغل أدباء زمانه بصناعة الأدب الإسلامي المستوحى من القرآن والسنة والسير، أمثال هيكل والعقاد وطه حسين، وعلى غرارهم سار قطب، والفارق بينهم وبين قطب أنهم درسوا الفلسفة والمنطق في أوروبا، وأجادوا اللغات الأجنبية بجانب العربية، فكان إنتاجهم يدور بين عقلين: عربي شرقي وأوروبي غربي.

أصدر قطب في القاهرة ديواناً شعرياً، تجاهله النقاد، فتوقف عن الشعر، وانصرف نحو كتابة المقالات النقدية، التي جمعها في كتاب نال استهجان الأدباء والنقاد، لكونه سطحياً من جهة، ومحاكياً لأسلوب العقاد من جهة أخرى، ولا يخفى أن سيد قطب قد ألتصق بالعقاد حيناً من الدهر، يحضر مجلسه الأدبي، يتودد له ويتزلف، إلا أن العقاد بحسه السليم توجس منه، ثم سرعان ما انقلب تودد قطب إلى بغض، بعد رفض العقاد أن يكتب لقطب مقدمة لكتابه «التصوير الفني في القرآن».

بعد سقطات سيد قطب في الشعر والنقد، قرر كتابة رواية غرامية سماها «أشواك»، وسقط فيها فنياً هي الأخرى، فتوجه لكتابة سيرته الذاتية في كتاب بعنوان «طفل من القرية»، وأهداه لطه حسين، متوهماً أن سيرته الشخصية تعادل قيمة كتاب «الأيام» لطه حسين، فالأخير لم يعقب، خصوصاً أن الكتاب لم يكن ليلفت انتباه قامة أدبية كبرى بمنزلة طه حسين.

تحول قطب إلى كاتب مقالات ثورجية إبان حركة الضباط الأحرار عام 1952، فحرّض على الملك المعزول والبشوات، ثم على ملاك الأراضي الزراعية، ثم على كبار موظفي الدولة، وصولاً إلى العمال، ردد كثيراً شعار «التطهير» ضد من سماهم أعداء الوطن والثورة، مظهراً حقداً دفيناً وعاطفة شاذة هي أبعد ما تكون عن أخلاقيات العمل الصحافي، كتب المقالات مطالباً بإقامة محاكم التفتيش، في حين نادى أدباء النخبة بثورة بيضاء وطي صفحة الماضي، وبذلك سقط مجدداً ككاتب مقالات.

نتوقف عند الدكتور عزالدين إسماعيل، أستاذ اللغة العربية، الفائز بجائزة الملك فيصل، الذي وصف مؤلفات سيد قطب بأنها «مسروقة من كتب أجنبية مترجمة، وأن لقطب قدرة عجيبة على تلقف الأفكار من الكبار، ثم إعادة صياغتها بطريقة إنشائية ونسبتها إلى نفسه»، أما عن كتاب قطب «ظلال القرآن» فلم يبلغ به مُدّ معاصريه، أمثال الشيخ الأصولي الشنقيطي صاحب «أضواء البيان»، ولا نصيف المجددين كفقيه اللغة أمين الخولي، رائد منهج التفسير الأدبي للقرآن الكريم.

أعلم تماماً أن أدبيات جماعة الإخوان صارت أثراً بعد عين، ولكن الحديث عن الآلة الإعلامية للإخوان، التي تقلب الغث سميناً، والسمين غثاً، قطب ما هو إلا كاتب من الدرجة الثالثة، تنبه «الإخوان المسلمون» لمقالاته التحريضية، فاستقطبوه ليكون قيادياً في الجماعة، وأخذت الآلة الإعلامية منذئذ في الترويج له، ونشر مؤلفاته، وامتد التزييف حتى بعد وفاته بنسب الكثير من الأعمال الأدبية والمقولات إليه.

• أصدر قطب في القاهرة ديواناً شعرياً، تجاهله النقاد، فتوقف عن الشعر، وانصرف نحو كتابة المقالات النقدية.

snd.sultan@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.