رحلة أبي بكر الثاني - الإمارات اليوم

أبواب

رحلة أبي بكر الثاني

سالم حميد

في إحدى المحاضرات العلمية، سألني المحاضر: «من هو كريستوفر كولمبوس؟» أجبته: بحار إيطالي، يُقال إنه مكتشف القارة الأميركية، لكنني غير مقتنع، فقال مستغرباً: هل تكذّب التاريخ؟ فقلت: بل الأوروبيون من كذبوا التاريخ، والعالم سلّم بما ارّخوه.

أبوبكر الثاني، هو إمبراطور مالي، وُلد في ،1280 وأصبح إمبراطوراً عام ،1310 وفي العام الذي يليه تخلى عن الحكم، وكانت مالي حينها تُعد من أغنى دول العالم، وكانت العاصمة تمبكتو يُطلق عليها عاصمة الذهب، لكن الإمبراطور قرر أن يتخلى عن العرش عام 1311 من أجل الدخول في مغامرة محفوفة بالمخاطر، وذلك بعبور المحيط الأطلسي، وقام بتجهيز نحو 200 سفينة بمصاحبة نحو 2000 زورق إضافي، أي أنه سبق رحلة كولمبوس بنحو 200 عام، ولم يكن من المستغرب قدرة مالي على تجهيز حملة عظيمة كتلك، لأنها دولة تتمتع بثراء فاحش في القرنين الـ13 والـ14 وهبها الله مناجم الذهب، وكانت تسيطر على نصف تجارة الذهب العالمية، هذا إضافة إلى تجارة الملح والبضائع الأخرى، وكانت الصحراء الغربية تحت حكم مالي أيضاً، ومنها انطلقت الحملة التي وصلت إلى الأميركتين في عام ،1312 وقد أكد كريستوفر كولومبوس بنفسه في أحد المخطوطات التي كتبها بيده أن الأفارقة قد سبقوه في الوصول إلى القارة الأميركية، بدليل أن سكان أميركا الأصليين قد تعلموا كيفية إشابة وصهر الذهب ومزجه بالمعادن الأخرى، وأضاف كولومبوس أن تلك طريقة إفريقية خالصة، ومن غير المعقول أن يكون سكان أميركا تعلموها بحرفية إفريقية بمحض المصادفة.

من قام بسرد قصة مغامرة أبي بكر هو خليفته أخوه الأصغر مانسا موسى، الذي غادر تمبكتو إلى مكة عام 1324 لأداء الحج، وكانت قافلته تشتمل على آلاف الناس والجمال، وعندما وصل إلى مصر التقى بالمؤرخ العمري، الذي دوّن ما قاله موسى عن رحلة أخيه، وذكر أن أبا بكر قبل أن ينطلق أجرى العديد من التجارب على السفن، وقام باختبار قوة تحملها، واستعان بخبرات عربية لصناعة سفن شبيهة بتلك العربية، ثم قام بتحميل السفن بمؤونة غذائية مجففة تكفي لمدة عامين، هذا إضافة إلى أطنان الذهب لمقايضتها مع سكان المجهول، لكن أبا بكر لم يكن واثقاً بعودته على قيد الحياة، وهذا ما دفعه إلى التنازل عن الحكم، ومن بين 200 سفينة مالية مغادرة لم يعد منها إلى أرض الوطن سوى سفينة واحدة فقط، وقال قائد تلك السفينة الناجية: «لقد أبحرنا مدة طويلة جداً، إلى أن وصلنا إلى منتصف المحيط، ثم دخلنا إلى مكان شبيه بالنهر وذي تيار عالٍ ومخيف، وكانت سفينتي في المؤخرة، وكنتُ أشاهد السفن أمامي مستمرة في التقدم إلى الأمام مع التيار، ثم تدريجياً اختفوا تماماً، ولم أر أحداً لاحقاً، أما أنا، فقد آثرت العودة من حيث انطلقت».

يؤكد كولمبوس أيضاً أنه عندما وصل إلى العالم الجديد وجد أناساً يشبهون الأفارقة في أشكالهم وهيئتهم، وهذا يدل على أن أبا بكر نجا من الموت ثم استقر في أميركا، فيا تُرى كم مالياً اليوم يعرف أن أجداده سبقوا كولمبوس؟ وكم مالياً يعرف أن التراث الإنساني لا يقدر بثمن؟ مؤسف جداً ما يحدث في مالي اليوم بحق التراث.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة