حتى نكون «أمة وسطاً»..
على الرغم من أننا أمة وسط، وخير الأمور الوسط، إلا أن معظمنا ليس كذلك أبداً، حين يتعلق الأمر بأي اختلاف، بل على العكس تماماً، كثيرون منا يلجأون دائماً إلى التصعيد، واختيار آخر الحلول، التي غالباً ما تكون متطرفة جداً، ولعل هذه الطبيعة المتأصلة هي سبب فشلنا في إدارة وحل معظم أزماتنا ومشكلاتنا.
لم يخطئ أبداً الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس، الشهير بـ«لورنس العرب»، عندما قال في عشرينات القرن الماضي إن «العرب من أكثر الشعوب لجوءاً إلى الخيارات القصوى في النزاع»، هذا صحيح، فلا حلول وسطاً، ولا تدرج في الحلول، وإنما تصعيد إلى أصعب الحلول وآخرها عند بداية أية مشكلة أو نزاع، أو خلاف حتى، مهما كانت درجته أو مستواه أو مستوى المختلفين.
لا أتحدث هنا عن مشكلاتنا السياسية والخارجية، فهذه لها موازين مختلفة، لكنني أتحدث عن حياتنا، ومواقفنا الاجتماعية، وآرائنا الشخصية التي تحتمل الجدل والقبول والاختلاف عند شعوب العالم كافة، لكنها عندنا مسلمات لا يمكن الاقتراب منها، ويتمسك بها البعض إلى درجة تصل إلى تنصيب النفس وصياً على المجتمع، يطالب باسمه ويردع باسمه، ويمنع باسمه أيضاً!
عندما يغضب العرب على شخص ما، لسبب ما، لا غريب أبداً أن نسمع دعوات وحملات لمقاطعة دولة هذا الرجل بأكملها، وعندما لا يعجب القارئ العادي بموضوع أو مقال في صحيفة فإن أول ما يطالب به إغلاق هذه الصحيفة، وكذلك الأمر عند الاختلاف على مسلسل ما، فلا حل من وجهة نظر الغالبية إلا منع العرض، وهكذا يطالب كثيرون وبشكل دائم بتغليظ العقوبة على أي شيء، ولأي شيء!
لا أعني موقفاً معيناً، فهي حالة عامة، يمكن رصدها في أماكن كثيرة، ومواقف كثيرة، تحدث في العمل ومكان الوظيفة، وفي المنازل أحياناً، ويحدث ذلك في المجالس والنقاشات، وكذلك في المنتديات ومواقع التواصل، ولا أصعب على الفهم من مصادرة حرية الناس، وحقهم في الحصول على ما يريدون من غير وصاية، وفرض موقف على الجميع، والمطالبة باسم الجميع!
من حق كل إنسان ألا تعجبه مجلة أو جريدة أو كتاب، ومن الطبيعي أن يصدر الإنسان حكماً على فيلم، أو مسلسل، ومن حق كل إنسان أن يعتبر هذا الكتاب سيئاً للغاية فلا يدخله بيته، أو هذا المسلسل مسيئاً فلا يشاهده، لكن ليس من حق أحد أن يطالب بمنع كتاب أجازته الجهات المختصة، أو منع عرض فيلم أو مسلسل، لأن ذلك يشكل مصادرة لرأي آخر، واعتداء على وجهة نظر أخرى، لاسيما في المسائل التي تحتمل اختلافاً في وجهات نظر، وليست مسلمات أو قطعيات.
أليس من الحكمة أن نختار ما نريد من تلك الأمور التي نملك خياراتها، ونترك لغيرنا أيضاً حرية اختيارها؟ ولماذا نصر على منع عرض مسلسل، وكل منا يحمل في يده جهاز التحكم، ويستطيع بضغطة زر أن ينتقل إلى مئات بل آلاف القنوات الأخرى؟ له القرار، وله حرية الاختيار، فالقنوات الفضائية لم تترك جانباً لم تتخصص فيه، فليختر كل إنسان ما يرغب فيه، ويترك لغيره حرية الاختيار، أليس من الأفضل أن نسعى إلى زراعة القهوة، بدلاً من الدعوة إلى مقاطعة البرازيل، إذا لم يعجبنا لها موقف سياسي؟!