عِظَم الجريمة

الجريمة كاسمها جُرم وشؤم ومقتٌ وغضب من الله تعالى ومن الناس، إلا أنها تعظم بعِظم فاعلها وزمانها ومكانها، وكونها بدم بارد أو سبب تافه، وليس هناك أعظم جرما بعد الشرك بالله من قتل النفس التي حرم الله تعالى، وأعظمُ القتل أن يكون لطفلة بريئة، وبيد من الشأن فيه أن يكون أرحم بها من نفسها كقتل الطفلة الهندية التي تمالأ عليها أبواها فقتلاها خنقا ثم باشرا بقتل نفسيهما، وقد حدثنا الفقهاء أن الأب إذا أقدم على ذبح ابنه كما تُذبح الشاة أنه يُقتص منه؛ لأن ذلك دليل كونه ليس ابنه، إذ لو كان ابنه لمنعته الرحمة الجِبِلية عن ذبحه، فلم تكن الأبوة الظاهرية مانعة من القصاص كما هو الأصل.

كما أن حكماء الرجال يقولون: إن الابن إذا كان لا يقف مع أبيه في الضراء، ولا يفرح له في السراء، ولا يغضب إذا أهين، ولا يحمل له مشاعر الوفاء والولاء فذلك دليل كونه ليس ابنه حقا.

إلا أن هذا وذاك قد يصدق إذا جرى مثل ذلك من الأب، فما بال الأم التي تشارك في جريمة كهذه، وهي التي حملتها كرها ووضعتها كرها، ولعلها قد تكون أرضعتها عصارة دمها حولين كاملين، فهي ابنتها بلا مِرية، لذلك لا سبيل إلى نفيها عنها كما قد يكون مثل ذلك من الأب باللعان، كيف كان ذلك من هذه الأم التي ساعدت زوجها على هذه الجريمة بما ذكر في الأخبار؟! فإن الأم من الحيوان البهيم أيا كان نوعه؛ طيرا أو زواحف أو من ذوات الأربع أو غيرها، تجاهد عن صغارها جهادا كبيرا قد لا يفعله الأب، أما أن تسهم في قتل فلذة كبدها فهذا أمر يبعث الحَيْرة حقا! لا تفسير له عند ذوي العقول السليمة، ولكن الجريمة قد وقعت، وعلينا جميعا أن نبحث عن أسبابها، وآثارها، وعلاجها.

أما الأسباب فقد ذُكر أنها ضائقة مالية، كره الزوجان من أجلها الحياة، فهل هذا السبب مقنع لأن يقدما على الانتحار وينحرا ابنتهما؟ كلا والله، فإن الحياة مهما ضاقت فلابد لها من فرج، وإذا عسُرت فلَأَن يعيش المرء في عسُر الدنيا أهون من عذاب الآخرة، على أن الحياة إذا ضاقت على الزوج فلديه الأسباب المتاحة الكثيرة ليسد عَوَزه، فإن خير هذا البلد وصل المشارق والمغارب، ووصوله إلى ساكنيه من باب أولى، فلم يكن هذا السب مقنعا، بل لا يوجد سبب مقنع ألبَتة، ولعل السبب الذي قد يكون مقنعا هو الخواء الروحي من الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم الرضا عن الله في اليسر والعسر، فعلى كل إنسان أن يسعى لملء قلبه به، فعندئذ سيعيش في سعادة الدنيا والآخرة.

أما الآثار فهي كبيرة على النفوس الحَية اليقظة من ألم الجُرْأة على قتل النفس التي حرم الله، وقتل الأطفال الأبرياء بمثل هذه الوحشية في هذا البلد الذي يفيض رحمة وحنانا على كل شيء.

وأما العلاج فينبغي أن يكون ناجعا وسريعا؛ باستغلال هذه الحادثة لتوعية المجتمع بوجوب حماية هذه الطبقة من الناس، كيلا يقع عليها ضيم أو تترك لمعضلات الزمن، وأن يسعى الجميع لرفع ذلك عنهم، فلهم علينا حقوق مثل الواجبات التي نطالبهم بها، بل أكثر.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء .

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة