مبادرة ذكية ومساهمة غنية..

تحية تقدير ومحبة لكل العقول التي تفكر استراتيجياً في خدمة المجتمع، ومن هذه العقول تلك التي فكرت في مبادرة «اتصالات» لتنظيم حملات التبرع بالدم بالتعاون مع هيئة الصحة في دبي، وجديد هذه الاتفاقية التي تم التوقيع عليها أمس، أنها وضعت حملات التبرع في إطار مؤسسي منظم ومبرمج، ولمدة ثلاث سنوات كاملة، تتحمل «اتصالات» على عاتقها الإعلان عن الحملات وتشجيع الموظفين على التبرع مرة كل ثلاثة أشهر في فروعها المختلفة.

قمة التميز في وضع حلول جذرية لمشكلة دائمة، تتجاوز الحماسة والرغبة التي تتولد عند الإنسان للتبرع، عندما يتأثر بخبر أو حملة، وبعدها تخف الحماسة، لكن الطلب على الدم لا يخف أبداً، ومركز التبرع بالدم في دبي يحتاج يومياً إلى 80 متبرعاً لحصول مرضى الثلاسيميا على الوحدات اللازمة لاستمرارية حياتهم، وبالتالي فإن النقص في الكميات متوقع دائماً، بسبب كثرة الطلب.

«اتصالات»، وليس مدحاً لها، وإن كانت هناك ملاحظات من المشتركين في الأمور المتعلقة بالعمليات التشغيلية، وهذا أمر طبيعي، هي واحدة من المؤسسات الوطنية القلائل في تقديم مبادرات مجتمعية، وهي منظمة جداً، وتنتهج نهجاً واضحاً وملموساً في المساهمة المجتمعية، ويكفي أنها أنفقت ملياراً ونصف المليار درهم خلال السنوات الثلاث الماضية، على البند المخصص للمساهمات المجتمعية، وهذا المبلغ لم نسمع عن إنفاق نصفه أو حتى ربعه من قبل مؤسسات وشركات وطنية كبرى داخل الدولة، في حين سمعنا عن أرقام مذهلة صرفت للشركات ذاتها في المساهمات المجتمعية والترويجية، لكن.. خارج الدولة!

نعود للمبادرة، وتكمن أهميتها في أنها تعالج مشكلة ترقى لدرجة المعضلة عند القائمين على مركز التبرع بالدم، وهي فتور حماسة المتبرعين بعد مدة قليلة من الزمن، هذا الفتور يتناقض تماماً مع فساد الدم بعد 35 إلى 45 يوماً من التبرع، في حين هناك 450 مريضاً بالثلاسيميا يحتاجون كميات كبيرة من الدم «الطازج» إن صح التعبير، أي لم يتجاوز خمسة أيام تقريباً على سحبه من المتبرع، إنها معضلة حقيقية، لا حل لها سوى جدولة المتبرعين وتشجيع الناس على التبرع بشكل دائم طوال أيام السنة، لتوفير الحد الأدنى المطلوب وهو 80 متبرعاً يومياً.

وهنا كانت فكرة المسؤولين في «اتصالات» الذكية جداً، هناك أكثر من 8000 موظف موزعين في جميع الإمارات، فلو تم تشجيعهم كل ثلاثة أشهر في فرع من الفروع للتبرع، فإن ذلك يضمن استمرارية العطاء لمدة ثلاث سنوات متواصلة، على الأقل ستكون هناك وحدات دم مستمرة عند الحاجة إليها، صحيح أنها لن تغطي العجز بأكمله لكنها خطوة مدروسة وذكية، تفتح من خلالها «اتصالات» الباب على مصراعيه لبقية الدوائر والمؤسسات الكبرى والشركات الضخمة للتفكير استراتيجياً بهذه الطريقة، وإذا انضمت لهذه الاتفاقية مؤسسات أخرى، فلاشك أن الحاجة للدم ستغطى لسنوات عديدة مقبلة، أليست بالفعل مساهمة غنية، وفكرة ذكية؟!

الجميل في الموضوع أن «اتصالات» مازال لديها الكثير لتقدمه في هذا المجال، وليس من المناسب الآن أن أكشف عن مفاجآتها، لكني أعتقد أنه من المناسب جداً أن أدعو البقية إلى التفكير بالطريقة ذاتها، والعمل على إطلاق المبادرات كل في مجاله، ولاشك أن بقية الدوائر والمؤسسات لديها من العقول الذكية ما لا يقل أبداً عن «اتصالات»، فلننتظر تلك المبادرات.

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة