5 دقائق

مصر التي في خاطري

ميره القاسم

مرّت مصر بثورات كبرى عدة خلال تاريخها الطويل، وكان لهذه الثورات أثر كبير في تغيير وجه الحياة على أرضها في كل مرة يحدث فيها تحول جديد، لكن ما يميز الثورة الحالية عن غيرها من الثورات السابقة أنها حملت صوت الشباب وعبّرت عنه، وعن طموحاته، وآماله، وآلامه، ورغبته الحقيقية في التغيير، هؤلاء الشباب، الذين بعض منهم عاطلون عن العمل، لم يكونوا عاطلين عن الحياة. وقد لاحظنا جميعاً أن الثورة لا تقودها جماعة بعينها، بل إن الشعب بكل أطيافه- بدءاً من طبقاته الكادحة، ومروراً بالشباب الذين فاض بهم الكيل، ووصولاً إلى الأطفال والنساء والشيوخ- خرج ليقول كلمته في هذا الظرف الدقيق من الحال المصرية الراهنة. والحال في مصر لا تخفى على أحد، إذ إن الناس هناك يعيشون في ظل ظروف قاسية من الفقر المدقع، مع تدنٍ للرواتب والأجور، فضلاً عن انعدام فرص العمل الحقيقية لقطاع كبير من الخريجين من أبناء الشعب المصري الشقيق، كل هذه الأسباب، إضافة إلى أخرى غيرها، أدت إلى انتفاضة الشعب بهذا الشكل الذي نراه على شاشات التلفزة، لكن المحزن في كل ذلك هو هذا الكم الهائل من القتلى والجرحى الذين تساقطوا، واحداً تلو الآخر، وعلى الرغم من ذلك فالشعب صامد من أجل حقوقه وحرياته، كما يعبّر عن ذلك المتظاهرون.

إن مصر دولة كبيرة وعظيمة، ولها دورها الإقليمي الشاسع الذي لا يمكن لأحد أن يتغافله، ومصر هي قبلة العرب ودرعهم الواقية ضد كل الذين يحاولون النيل من جسد العروبة، وهي في قلب كل إنسان، وما يحدث على أرضها من سلب ونهب للممتلكات العامة والخاصة هو ضياع حقيقي لثرواتها ومقدراتها البشرية والطبيعية. عيني على مصر، وقلبي هناك مع كل من فقد أملاً في الحياة، ولم يبق له سوى أمل واحد هو أن يصرخ ويهتف ضد الظلم والتهميش، لا للفساد والقمع وقتل الحريات. إن مصر وطن غني وثري جداً بثرواته الطبيعية وإمكاناته البشرية الهائلة والمبدعة، وطاقاته الفكرية المختلفة، ومصر دولة غنية بثقافتها وشعبها، فهي بلد محمد عبده، وطه حسين، والعقاد، وأحمد شوقي،وصلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم، وسيد حجاب، وغيرهم من الأدباء والمفكرين، الذين أثروا ساحة الفكر الإنساني، وكان لهم الدور الريادي في تأسيس الفكر العربي الحديث.

وهي أيضاً موطن الأبطال، أمثال أحمد عرابي، وسعد زغلول، ومحمد فريد، وجمال عبدالناصر، والعديد من الرجال الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل رفعتها وصون كرامتها على مر التاريخ. واليوم بدأ صوت من أصوات الحرية يتغنى.. كيف استطاع المصريون اكتشاف أنفسهم، والعثور على صوت الحرية من جديد، بعد مرور ثلاثة عقود، مارس أو كاد النظام أن يتمكن من تشويه أجمل ما في المصريين، كالمطالبة بحقوقهم.. هكذا يخرجون إلى الشارع يهتفون ويتظاهرون ويصرخون من أجل غدٍ لا نعرف هل سيأتي بما تشتهي السفن أم لا. من كل قلبي أتمنى أن يعبر الشعب المصري العظيم هذه المحنة، ويخرج في نهاية الأمر بشيء يُرضي طموحاته ويحقق آماله، ويعيد إليه الاستقرار والأمن من جديد، كي تعود مصر التي في خاطري وخواطرنا جميعاً أجمل الأوطان وأكثرها بهاء وأمناً واستقراراً.

wahag2002@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها . 

 

طباعة