أبواب

الأدب والتغيير

يوسف ضمرة

المطلّ على الأدب التونسي في سنوات العسكرة التي مثلت جوهر السلطة السياسية، لا يلحظ ذلك الأدب الذي ينادي بالتغيير والثورة وما إلى ذلك، وربما باستثناءات قليلة جداً، فإن الأدب التونسي في هذه السنوات، كان منهمكاً في لعبة غريبة، فهو منفتح على الأدب الأوروبي عموماً، والفرنسي خصوصاً، ومرتبط في العمق بالثقافة العربية.

لم تكن ثمة مقدرة إعجازية، تجعل الكاتب التونسي قادراً على تجاوز الخطوط الحمر التي تسم السلطة الاستبدادية في العمق، ولم تكن ثمة مؤشرات على السطح، توحي بأن هذا السكون الاجتماعي والسياسي المخيف، قابل للتغيير أو التبدل. كانت هذه رؤية قاصرة بلا ريب، ولربما تمكن المسرح التونسي في بعض تجلياته من تقديم رؤية أوسع وأكثر انفتاحاً على المستقبل، كما تجلى في بعض أعمال توفيق الجبالي مثلاً.

وبصرف النظر عن رؤية الأدب التونسي، فإن التغيير حدث، ولا رجعة فيه،

هذا التغيير يذكرنا بثورة الضباط الأحرار في مصر بقيادة عبدالناصر، ففي تلك المرحلة، كانت السلطة تتصرف كأنها سرمدية الوجود، وكان الكتاب والأدباء منهمكين في نقل تجارب الأدب الأوروبية إلى مصر، ولولا أن عبدالناصر قال ذات يوم، إن رواية توفيق الحكيم «عودة الروح» كانت أحد عناصر إلهامه في التفكير في الثورة، لما التفت الناس إلى دور الأدب في عملية التغيير.

هذا كله لا يعني أن للأدب دوراً مباشراً في التغيير، فكما اختلف علماء الاجتماع المؤسسون في تحديد عوامل التغيير الاجتماعية، كذلك ترانا نختلف في دور الأدب وما يسمى بوظيفته الاجتماعية.

كان هذا الموضوع مدار بحث وحوارات وسجالات حادة ومثيرة في بداية النصف الثاني من القرن الماضي، خصوصاً بعد بروز حركات التحرر العربية، وإنجاز الاستقلال في أغلبية الدول العربية، وكانت الغلبة أحياناً لأنصار الدور المباشر للأدب، وأحياناً أخرى لأنصار الدور غير المباشر، وكان ذلك كله مبنياً على التغيرات والتحولات، أكثر من بنائه على قناعات معرفية.

واليوم، يتساءل الكثيرون عن دور المثقفين في تونس ومصر!

وهذا يدفعنا إلى القول إن دينامية التغيير الاجتماعي، ليست محكومة بعامل محدد، وليس ثمة أمر واحد يمكن اعتماده عنصراً رئيساً في التغيير الاجتماعي، أو في التحولات الاجتماعية المستمرة. ولعل كلمة «المستمرة» تعبر بوضوح شديد عن أن التغيير ليس مرتبطاً بالآن والهُنا، مقدار كونه عملية هدم وبناء مستمرة ومتواصلة إلى ما لا نهاية، فلا يمكن القول مثلاً إن «البو عزيزي» كان العامل الحاسم في الثورة التونسية، كما يحلو للبعض أن يقول.

لقد أكدت الثورة التونسية أن التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في بنية ما تجري كما تجري عمليات تلاقي الصدوع في باطن الأرض، وحدوث الزلازل، فليست لحظة التلاقي سوى محصلة سنوات أو عقود من حركة الصدوع المتواصلة التي تؤثر فيها عوامل عدة.

يمكن للأدب أن يسهم في الهدم والبناء، من خلال المعرفة الجمالية التي يقدمها، والتي تسهم في شحذ النفس البشرية، وفتح الآفاق أمامها للتساؤل والرغبة في المعرفة، وهذا وحده يشكل حافزاً تاريخياً لمزيد من الإبداع الأدبي، وعلينا ألا ننسى أن الشارع التونسي «المثال» هو ابن الشارع العربي، والثقافة العربية، والأدب العربي.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة