أبواب

أضغاث أفلام

لا أعلم إن كانت فرصةً سعيدة -أو تعيسة- تلك التي أتاحت لي أن أشاهد مقاطع من فيلم "أسرار القبور" للمخرج ماهر الخاجة. ولا بدّ أن أوضّح قبل كلّ شيء بأنّني لست هنا بصدد نقد\تقييم الفيلم من النّاحية الفنيّة، فأنا لا أملك الأدوات والمهارات التي تؤهلني للقيام بعملٍ مجنونٍ كهذا. بل سأبدو مثل شحّات يتحدّث عن أسعار الأسهم في البورصة إن قمت بذلك. بالإضافة إلى أنّ مشاهدة مقاطع متفرّقة من الفيلم لا تكفي حتّى في حال توفّرت لدي الأدوات النّقدية الكافية.
 

الفيلم -والذي سيعرض في مهرجان البحرين السّينمائي- استثار في بعض جوانبه ردود فعل غاضبة من بعض من شاهد مقاطع منه، أو لم يشاهد واكتفى بالسّماع ممّن شاهد، وهذا ما أنا بصدد الوقوف عنده.

يبدأ الفيلم بالعبارة التّالية -على طريقة كاد المريب أن يقول خذوني- : "نحن لا نتهجم على الدين الإسلامي ولكنّنا نقدم رسالة هادفة للمجتمع" ولكن كل ما سيليها من مشاهد ولقطات وحوارات تجعل المشاهد يشعر بأنّه وقع ضحّية خدعة كبرى ودعاية كاذبة، كأن يشتري شامبو مضادًا للقشرة ويكتشف بعد أول إستعمال أن معظم شعره تساقط مع القشرة .
 

فالفيلم يرتكز أساسًا على مجموعة من التّابوهات الدّينية\المجتمعيّة التي يسعى المخرج بشكلٍ واضح إلى كسرها أو على الأقلّ اختراقها، دون أن يقيم أيّ اعتبار للقيم الدّينيّة والأخلاقيّة وغيرها من القيم السّائدة في المجتمع. فعندما نتحدّث عن ردود الفعل السّاخطة على الفيلم -ومخرجه- فلابد أن نتفق على أنّ غضب الجمهور من الفيلم مبرّر من جهة ومفهومٌ من جهةٍ أخرى، بل ولا بدّ أن نقول إنّه متوقّع وضروريّ، إذ ليس من المعقول أن نتصوّر مجتمعًا مثل مجتمعنا تعوّد على تقديس التّابوهات منذ قرون، ثم يأتيه فيلم يكسر هذه التّابوهات ويحيلها قاعًا صفصفًا في مدّة لا تتجاوز السّاعة و45 دقيقة -هي مدّة الفيلم-، ولا يحرّك ساكنًا.


والفيلم بالفيلم يذكر، فقد تمكّنت أخيرًا من مشاهدة الفيلم الإماراتي "دار الحي" للمخرج علي مصطفى بعد تحفيزٍ نفسي وفنّي ممّن حولي. وعلى الرّغم من أنّ الفيلم صوّر أمورًا موجودة وواضحة بالفعل في المجتمع، إلا أنّه هو الآخر أثار ردود أفعال غاضبة بحجّة أنّ نسبة تلك العيوب قليلة في مجتمعنا!

من الخطأ - كما يقول النّاقد عبد الله الغذامي - أن نقرن الفنّ بمجتمع معينّ، ومن الخطأ كذلك أن نقول أنّ العيوب والمشاكل التي يتعرّض لها أي فيلم نسبتها قليلة. فالفيلم (كما الرّواية) يهدف بشكلٍ أو بآخر إلى تكثيف المشاهد، فالمخرج لا ينظر إلى ما حوله بعينيه، بل بعدسةٍ مكبرّة  تجعل الشّيء المركّز عليه يبدو أكبر ممّا حوله بل وكأنّه كلّ شيء. مثلاً لا يمكننا أن نقول أن الفيلم المصري "عمارة يعقوبيان" يمثّل المجتمع المصري برمّته، أو أنّ فيلم "الجمال الأمريكي" يقدّم تصوّرًا شاملاً عن المجتمع الأمريكي ومشاكله.


 هذا الأمر بديهي لكلّ من يخوض في السّرد (المرئي أو الرّوائي) لكن المشكلة أن المجتمع لا يؤمن بالبديهيّات ويرى أن الفنّ يجب أن يكون صورة كربونيّة طبق الأصل عن الواقع وعن المجتمع. 

al-marzooqi@hotmail.com

طباعة