5 دقائق

جوائز المنافسات كثيرة، وأكثرها شريفة مُنيفة، إذْ كل جائزة تهدف إلى التنافس في مهنة أو صنعة أو خدمة، فإذا كان التنافس في أمور الآخرة فهو التنافس الذي لا يضاهيه تنافس؛ لأنه تنافس في ما يبقى، وتنافس يرضي المولى، وإن كان التنافس في كلامه وكتابه وذكره الحكيم، فإنه لا يدركه وصف ولا يحيط به قول؛ لأنه تنافس في مناجاة الله، وترقٍ في مراتب الصدق، وتلذذ بأحسن حديث، وخشوع عند تدبر، يجعل للحياة معنى وللزمن ذوقاً، وإنما تشرُف الجوائز بشرف مُتعلقِها، وكريم موضوعها، ناهيك عن بالغ قيمتها المادية والمعنوية. هذا ما عاشته غرة الجوائز، في درة الخليج ولؤلؤة الإمارات «دبي» الفاخرة الفارهة الآمنة المطمئنة الراقية، في غرة الشهور وغرر الليالي الكريمة، في شهر تنزل القرآن ومغفرة الرحمن، وصفاء الإنسان.

لقد تنوعت وتعددت الجوائز في دبي الخير والعطاء، وكلها جوائز متميزة، يتمنى كل متميز تواقٍ أن يكون له كِفل منها، ولو أن تحجب عنه جوائز الدنيا كلها، إلا أن جائزة القرآن الكريم لا تضاهيها جوائز الدنيا مجتمعة؛ لعظيم مكانتها عند الله تعالى وعند المسلمين، فإذا كانت كل جائزة تهدف إلى التميز في مجال من مجالات المعرفة أو التنمية أو الخدمة، فإن جائزة القرآن تهدف إلى أن تصوغ أمة بأكملها، فتجعلها مثالية في نفسها وفي نظر غيرها، وذات مكانة عالية عند ربها وخالقها، فإن الله تعالى أنزل القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويهدي إلى الصراط المستقيم، يجعل الإنسان يعيش في دنياه سعيداً، وفي آخرته حميداً، يعيش لله عبداً وللمسلمين أخا، ولغيرهم مُعارفاً متعاوناً، ويعيش بدينه عابداً وبدنياه عاملاً، يعيش محباً للخير نافعاً للغير، فكانت هذه الجائزة جامعة للفضائل، راعية للأماثل. وقد أدرك خيرون كثيرون هذه المعاني فتنافسوا فيها، فأنشأوا للقرآن الكريم مسابقات كثيرة في بلدان مختلفة من بلاد الإسلام، وأعدوا جوائز ثمينة مُغرية للتنافس، بحسب الجد والجهد، وكل حاز كثيراً من الفضل والثناء، وبالغ الجزاء، إلا أن جائزة دبي للقرآن الكريم، حازت قصب السبق، ونالت أكبر الذكر، وإن تعجب لذلك فكل أمرها عجب، فقد أنشأها رجل، يقول لسان حاله ومقاله مقالة أبي فراس الحمداني: ونحن أناسٌ لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر

رجل قال: إن هذه الجائزة أحب الجوائز إلى قلبي، ومَن تكون هذه الجائزة أحب إلى قلبه فلن يرضى إلا أن تكون في ذروة الجوائز، فاختار لها الأكفاء إدارة، والمكان مكانة، والزمان شرفاً، والعطاء شعاراً ودثاراً، لذلك تألقت بهاءً، وانتشر صيتها في الخافقين، فلم يبق بلد من بلاد الإسلام، ولا بلد فيه جالية إسلامية إلا شارك واشترك فيها بفلذة كبدٍ وبلبل صداح، حتى غدت «دبي» تعرف بجائزة القرآن، كما عرفت بالتجارة والمال والأعمال،أ ولا غرو أن تكون هذه الجائزة أحب إلى قلبه، فهي جائزة على التنافس في كلام الله تعالى الذي هو صفته، وفي كتابه الذي هو دستور شرعه، وفي حكمه العربي الذيأ هو أفصح لسان وأبلغ بيان {كِتَابٌ فُصلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، فكيف لا تكون بهذه المثابة وهي التي يتفاخر بمثلها الشرفاء، وتتطاول لها أعناق الفضلاء، نعم إنها غرة الجوائز، أتعبت من ينافسها، ولا يدرك شأوها إلا من له همة عالية، ونفس إيماني عريق، ومنهج إسلامي ثابت، وروح زاكية مطمئنة، فهنيئاً للجائزة مُنشِئًا، وللجائزة إدارة، وللجائزة فائزين، وللجائزة متنافسين.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .  

الأكثر مشاركة