‏«دخيلة على المجتمع»!‏

‏يصرّ البعض إلى يومنا هذا على استخدام جملة «ظاهرة دخيلة على المجتمع» مع كل جريمة أو ظاهرة سلبية يتم رصدها، مثل هؤلاء يعيشون خارج الزمن، ويقومون بتضليل الرأي العام بهذه الجملة المضلّلة، فعن أي مجتمع يتحدث هؤلاء؟ مجتمع إمارات الساحل المتصالح قبل 50 عاماً، عندما كان عدد السكان لا يتجاوز بضع عشرات من الآلاف، وعندما كان أكبر منطقة سكنية تضم في الغالب 20 أو 30 منزلاً! إذا كانوا يقصدون تلك الفترة الزمنية، وذلك المجتمع، فإن الجملة قد لا تخلو من الصحة، أما من يتحدث عن مجتمع الإمارات اليوم بأطيافه وفئاته وجنسياته كافة، وبكل أعداده في زمن العولمة، فعليه أن يدرك أن الجملة خاطئة شكلاً ومضموناً، خصوصاً أن العالم بأسره أصبح أصغر من قرية صغيرة، بل إن خبراء التقنية الحديثة يصفون العالم اليوم بأنه تحول إلى جهاز أصغر من كف اليد، متجاوزين ومحطمين بذلك نظرية القرية الصغيرة!

لم يعد هناك ما هو دخيل على المجتمع، ومن يردد ذلك فإنه لا شك ينشر التضليل، فالمجتمع مفتوح على عالم كبير، وما يحدث في أميركا يتأثر به شباب «السطوة»، وأنواع الحقن والحبوب المخدرة في حواري أمستردام يستخدمها مدمنو القاهرة والرياض والإمارات وكل مدمني العالم، اختفت الحدود الدولية أمام انتشار الظواهر الفكرية والأدبية وحتى الجنائية، ولم يعد هناك مجتمع مغلق لم يتلوث بعدُ بمصائب العالم و«بلاويه»!

كما نستورد التقنية علينا أن ندرك أننا سنستورد معها الجرائم الإلكترونية، وكما ننشد التطور والتفوق في كل المجالات، علينا أن ندرك أننا سنستورد معهما، عادات جديدة، وجرائم جديدة، وظواهر سلبية جديدة، لا مجال للانطواء، ولا طريق للعودة إلى زمان الساحل المتصالح، لا أقارن أبداً بين المجتمعين، ولا مجال أصلاً للمقارنة، فلكل زمان ملامح، وواقع، وظروف لا تتشابه أبداً مع سابقه.

ترديد عبارة «دخيلة على المجتمع» هو بكاء على اللبن المسكوب الذي لا يمكن إعادة تعبئته، والأجدر بنا أن نبني حوائط الصد الداخلية التي نقوي بها أنفسنا وأبناءنا لمواجهة المجتمع الجديد، بدلاً من دفن الرؤوس، والاختباء خلف مصطلحات عقيمة لا تفيدنا كثيراً. بناء الشخصية الإماراتية بعادتها وفكرها، وبناء النموذج الإماراتي الذي يعرف كيفية التعايش مع الآخر، وتغذية نفوس الأبناء بالقيم والمفاهيم الإيجابية، وتعليمهم احترام الذات والغير وحب العمل والإنجاز والبُعد عن الجريمة والسلبيات حتى وإن سهلت مهمة القيام بها، هي أفضل ما يمكن أن نقوم به. لا تسألوني كيف نستطيع الوصول إلى هذه الشخصية، فهذا عمل مجتمع بأسره، وهو اختصاص جميع الجهات الأمنية والتعليمية والثقافية والتربوية، واختصاص جميع أولياء الأمور، والمدرسين، وضباط وأفراد الشرطة، ووزير التربية والتعليم، ووزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ووزيرة الشؤون الاجتماعية، وجميع العاملين في وزارة الداخلية، وجميع أعضاء الحكومة الاتحادية، الجميع يجب أن يعملوا للوصول إلى النموذج الإماراتي الذي نريده لأبنائنا وأجيالنا المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار حقيقة المتغيرات التي طرأت على الواقع، والبعد عن النظريات التي لم تخدمنا طويلاً طوال الفترة الماضية. لا شيء دخيلاً على مجتمعنا، ولا شيء دخيلاً على أي مجتمع في أنحاء العالم، وكل ما سنشاهده في أفلام السينما الكورية واليابانية والهندية والأميركية، سيأتي علينا يوماً ونشاهده في حواري أبوظبي أو دبي أو أي من إمارات الدولة، حقيقة وواقعاً، ولتسقط النظريات.

reyami@emaratalyoum.com

الأكثر مشاركة