صناعة الجوع - الإمارات اليوم

صناعة الجوع

يوسف ضمرة

هذا عنوان كتاب قديم، لكنني تذكرته في هذه الأيام، على الرغم من اختلاف الظروف شكلياً إلى حد ما. فالكتاب يتحدث عن نصف مليار جائع، في الوقت الذي تنتج الأرض ما يكفي لإطعام ساكنيها وأكثر. وبالتحليل والأرقام والوقائع، يتبين أن 3٪ من سكان العالم يتحكمون في ما يقارب 77٪ من مساحة الأراضي الزراعية، وأن ما يزرع من مجمل الأراضي الزراعية لا يتجاوز 44٪، بينما لا تصل النسبة في بلدان العالم الثالث إلى 20٪.

نتذكر في هذا السياق نظريات عنصرية، تتحدث عن ضرورة الحد من الزيادة السكانية في العالم الثالث، لئلا يجد العالم الأول نفسه تحت تهديد الجياع، ما يؤدي إلى التنازل عن (التخمة) والترف. وقد شهدنا في العقود الماضية هبّة إنسانية دولية لتحديد النسل! وشرح مخاطر التكاثر في العالم الثالث على هؤلاء الفقراء. وبالرغم من قناعتنا بضرورة تنظيم النسل لا الحد منه، إلا أننا لابد أن ندرك الغرض الحقيقي من تلك الهبّة الدولية الإنسانية!

وعلى الرغم من الأسباب المعلنة لحصار غزة، وتجويع مليون ونصف المليون إنسان في تلك المساحة الجغرافية الضيقة، فإن هذه الأسباب لا تتناقض مع نظريات العنصريين الأثرياء، القائلة بضرورة التقليل من سكان العالم الثالث. وإلا فما معنى هذا الصمت الدولي المدوي أمام حصار شامل من هذا النوع؟ وما معنى مشاركة العالم كله فيه؟ هل كل ذلك حقاً بسبب صاروخ بدائي محلي الصنع؟

نحن ندرك أن الحصار يضغط على المقاومة شعبياً وجماهيرياً، وهذا أحد أهداف الكيان الصهيوني لفك التحالف بين المقاومة والحاضنة الاجتماعية لها، ما يتسبب لاحقاً في عزل هذه المقاومة. ولكن هدفاً كهذا لا يبرر هذا التواطؤ الكوني ضد مليون ونصف المليون مواطن، ذنبهم الوحيد أنهم يعيشون في تلك البقعة الجغرافية، وأن أبناءهم يرفضون الاحتلال الأطول والأبشع عبر التاريخ. كما أن ذريعة الخلاف الفلسطيني الفلسطيني هي في الأساس مكسب للكيان الصهيوني، ولا يمكن القول إن هذا الكيان حريص على وحدة الفلسطينيين، وإلا لأنعش قطاع غزة، ومكن السلطة فيه من مقاومة المصالحة الفلسطينية الفلسطينية. أما هذا التجويع فإنه يشكل دافعاً قوياً للمصالحة التي سوف تتم آجلاً أو عاجلاً، على الرغم من كل العقبات الداخلية والخارجية. لا ندعي هنا أن تجويع غزة هو لمجرد التجويع، ولتطبيق أفكار الشوفينيين العالميين، لكنه في المحصلة يصب في المصب ذاته. ولا غرابة في ذلك، طالما كان الكيان الصهيوني ورقة رابحة في أيدي صناع القرار الدولي، المستنيرين بنظريات التجويع والتقليل من أعداد الفقراء في الدول النامية.

هذه ثقافة غربية شاعت منذ الحرب الكونية الأولى، وأصبح لها منظّروها ومفكروها، وعلى رأسهم (مالتوس). والتصدي لهذه الثقافة لا يكون بمزيد من الإنجاب والتكاثر، بل بالعمل على تصحيح الأخطاء في العالم الثالث، ومن أبرزها إطلاق يد الأثرياء والملاك الذين لا يأبهون بشعوبهم، مقدار ما يأبهون بثرواتهم وتكاثرها. وعلى هذا الأساس نجد الكثير من هؤلاء لا يقيمون وزناً لطبيعة الأرض، ما يجعلهم يحرمون الغالبية العظمى ـ لأجل مشروعاتهم الشخصية ـ من أراض زراعية منتجة، تكفي لإطعام السكان من دون خوف من المستقبل.

 

damra1953@yahoo.com

طباعة