لا تفسر لي حلمي لو سمحت

مصطفى عبدالعال

دخل رجل على ابن سيرين فقال: رأيت في الرؤيا أني أرفع الأذان، فبشره بحج بيت الله الحرام. ودخل آخر وقال الرؤيا نفسها،فحذره قائلاً: إن الله يغفر الذنوب جميعاً وباب التوبة لا يغلق وإلا يقام على السارق الحد! فانصرف متسللاً.وحقق الله تفسيره فحج الأول وقُطعت يد الثاني في حد السرقة. فلما سئل كيف تكون الرؤيا واحدة والتفسير مختلفاً؟ قال :لما جاءني الأول رأيت في وجهه نور الطاعة، ووقر في قلبي قوله سبحانه{وأذنْ في الناس بالحج}(الحج 27)فقرأت بقلبي كما يقرأ أحدكم بعينه تفسير رؤياه، ولما دخل الثاني رأيت ظلمة المعصية في وجهه،ووقر في قلبي قوله سبحانه{ثم أذنَ مؤذنٌ أيتها العير إنكم لسارقون} (يوسف 70) فألقى الله المعنى في قلبي وفسرت. فأين ابن سيرين اليوم؟ وهل كل معبر عن الرؤيا يؤخذ عنه؟ أم لابد له من مؤهلات خاصة هي منحة إلهية؟ فليس التفسير رموزاً تحفظ أو قوالب ثابتة،وليس علماً سماعياً يتوارث، فيفسرأحدهم حفل الزواج بالمأتم لأنه سمع أن الفرح في المنام غم، وأن الموت طول عمر، وأن الجماع زواج وأن المرأة فتنة. وغاب عنه أن ما جمعه الناس من تفاسير الرؤى عن سلفنا الصالح إنما يتعلق بأشخاصها وإلهام الله حينها.

يا جماعة الخير ربما خرب بيت بسبب تفسير خطأ من مفسر غير مؤهل ولا فقه له، فيزعم أن معنى الرؤيا خيانة الزوجة أوالزوج أو الصديق أوخسارة مشروع أومعاداة قريب ..إلخ. والطامة الكبرى حين نسمع لمن يتعاملون مع الجن فينشر الجن بهم الفتن والضغائن في الأسر، ويزعم أحدهم أو إحداهن وربما عبر الفضائيات أنه يتحدى أن هذا الزوج خائن أو هذه منحرفة، مع أن الله أمر بالستر،وحرّم تتبع العورات وفضح الأسرار. أخبرنا القرآن الكريم أن التأويل علم يَجتبي الله له من يخصه به فقال لنبيه يوسف {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} (يوسف 6)أي تفسير الرؤى التي هي حديث نفس أومن المَلَك أو من الله. وقد تكون من الشيطان فتسمى حلماً لا رؤيا {قالوا أضغاث أحلام} أنظر سورة يوسف{إذ قال يوسُف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحَدَ عشرَ كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين} ويفهم المعنى أبوه يعقوب فيقول له{لا تقصُصْ رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً}،وفعلاً يكيدون له ثم يُظهِرُه الله عليهم، ويأتي الإخوة الأحد عشر ومعهم الأب والأم، وهو على العرش ويخرّون له ساجدين، وكانت تلك تحية الملوك فيقول نبي الله يوسف ماسجله القرآن {يا أبت هذا تأويلُ رؤياي من قبلُ قد جعلها ربي حقاً}. الرؤيا ياجماعة الخير كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بشرى صالحة، يراها المؤمن أو تُرى له وضرب الله مثلاً فبشر رسوله بفتح مكة برؤيا ثم قال{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}(الفتح 27).ولا يضارّ إنسان إذا لم يفهم رؤياه أو لم تفسر له إنما قد يُدَمر إذا اتبع تفسيراً خطأ،فابحث عن مفسر عُرف بالورع واسأل المختصين من دائرة الشؤون الإسلامية ..لوسمحت.

المستشار التربوي لبرنامج "وطني"

mustafa@watani.ae

طباعة