رسالة القدس 2009

أحمد السلامي

من المفترض أن عام 2009 مكرّس للاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية، لكن وسائل الإعلام تناقلت الأسبوع الماضي خبراً مفاده أن القائمين على تدشين احتفالية القدس أعلنوا تأجيلها إلى مارس بسبب الأحداث المأساوية في غزة!

لا أظن أن تدشين حدث ثقافي يتعلق بالقدس محرم في الظرف الراهن، فيا لها من مصادفة أن نحتفل بالثقافة المقدسية والفلسطينية، وأن نستعيد الهوية العربية للقدس بعد أن شهدت غزة أعنف حرب شنها الكيان الإسرائيلي الذي نشأ على محاربة كل ما يتصل بالهوية الثقافية العربية للأرض والإنسان. والأجمل أن تجعلنا القدس وغزة نعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية في ضمائرنا وفي الدوائر المعنية باتخاذ القرار في القمم العربية الاقتصادية والسياسية.

لماذا إذن يتأخر تتويج القدس عاصمة للثقافة العربية؟ ولماذا نفوّت فرصة ذهبية لمواصلة التضامن مع أهل غزة والقدس ورام الله والناصرة وكل المدن المحتلة والمحاصرة؟ فلعل من شأن إحياء الثقافة الفلسطينية في الذاكرة العربية في هذا التوقيت أن يشكل مقاومة جماعية ضد تهويد القدس وتهديد مآثرها التاريخية ذات المدلول الإسلامي والمسيحي.

إذا كان وزراء الخارجية العرب قد ظلوا طوال المحنة التي تعرضت لها غزة يعولون على مبادرة السلام العربية ومجلس الأمن الدولي فإن بوسع وزارات الثقافة العربية أن تشارك الآن في هذا الحدث، وأن توصل رسالة قوية إلى الدولة العبرية من خلال التأكيد على حق العودة واستعادة القدس واستحضارها في الخطاب الثقافي والاعلامي وفي كل المنابر والوسائل باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.

ومن شأن توحد اهتمام العرب بعام الثقافة الفلسطينية أن يوصل أيضاً رسالة أخرى إلى أهل القدس وكل الفلسطينيين الذين يقطنون في الأراضي المحتلة أو ما يعرف بمناطق 48 وملخص هذه الرسالة تشجيع عرب 48 على التمسك باللغة والهوية العربية، ورفض كل أشكال تهويد وعبرنة اللسان والمكان والذاكرة.

وحين أؤكد على الرسالة الثانية الموجّهة لفلسطينيي الداخل أتذكر لقاءات عابرة جمعتني العام الماضي في القاهرة وعمّان بشباب وشابات من الأراضي المحتلة، أجمعوا في أحاديثهم على خطورة تفشي اللغة والثقافة العبرية في أوساط شباب فلسطينيين.

سيكون على أهل القدس وبقية أهالي المدن المحتلة أن يحتفلوا بالقدس عاصمة للثقافة العربية على طريقتهم وبإمكاناتهم المتاحة، ومن الواجب على المؤسسات الثقافية العربية الرسمية والأهلية أن تخصص شطراً من ميزانياتها للاحتفال بالقدس، وإعادة قراءة تاريخها وتلقينه للأجيال الجديدة.

وإذا كان العرب سيبخلون على القدس ويستمرون في تأجيل إعادة اكتشافها ثقافياً وتاريخيا فإن لدينا عواصم استثنائية تتربع على رأسها إمارة الشارقة التي لم تخذل الثقافة ولم تجعل منها مناسبة سنوية عابرة، ولذلك استحقت لقب العاصمة الدائمة للثقافة العربية، ولا شك أن القدس تستحق أن نحتفي بها في كل العواصم بما يليق بجلالها وتاريخها الذي سيظل يكشف للعرب أسرار العزة والشموخ وأسباب الذل والانكسار.

slamy77@gmail.com

طباعة