ذكريات ممنوعة

قيس الزبيدي

تحاول الباحثة والمحاضرة الأميركية إيله شوحاط، وهي يهودية من أصل عراقي، تعمل كأستاذة للدراسات الشرقية في جامعة نيويورك، أن تبحث في كتابها «ذكريات ممنوعة»، دار كنعان، دمشق. ترجمة: إسماعيل دبج، عن معالم صورة هويتها العربية، ولقد سبق أن أثار كتابها المهم «السينما الإسرائيلية: تاريخ وإيديولوجيا» سجالاً قوياً إثر ترجمته من الإنجليزية إلى العبرية، ومسألة البحث التي تشغلها، هي الهوية اليهودية العربية، التي تجدها غائبة عن النقاشات حول الشرق الأوسط بشكل عام وحول إسرائيل بشكل خاص.

وتقول الكاتبة «في حرب الخليج تصادمت وبقوة المناطق الثلاث التي يتركب منها تاريخي الممزق: العراق، «إسرائيل»، الولايات المتحدة! وهي إذ تختار ضمير المتكلم، تلقي بالضوء على زاوية الحرب، يحدوها أمل خفي في أن تكون وثيقتها الشخصية قوية لدرجة تمكنها من وضع اليهود العرب على خارطة الهويات، لأنه ونحن نعلن عن عربيتنا اليهودية إلى جانب المسلمين العرب والمسيحيين العرب، نجابه بحاجب مرتفع وإصبع موبخة».

ولا يعترف الخطاب الثقافي الغربي سوى بالصلة القائمة بين اليهودية والمسيحية ويشطب الصلة بين اليهود والمسلمين. تقول الكاتبة «الفلسطينيون طردوا إلى ما وراء الخطوط التي رسمت لتوها، واقتلعوا وجردوا من أراضيهم ومن أملاكهم ومن ذكرياتهم. وفي الوقت نفسه تم اقتلاع اليهود العرب من بلادهم الإسلامية، سواء كلاجئين أو كمهاجرين أو كعائدين، وذلك وفقاً لرؤية سياسة كل فرد منهم، وتركوا خلفهم عالماً كاملاًض»...

ويتمحور البحث في الكتاب على قطبين: قطب اليهود الشرقيين، بصفته الشاذ والمتخلف والوضيع، وقطب اليهود الأوروبيين، بصفته السائد والمتطور والأسمى. وتقرا الكاتبة خارطة إسرائيل الديموغرافية قراءة بديلة: اغلب أصول سكان إسرائيل من العالم الثالث: الفلسطينيون يشكلون عشرين في المائة من السكان واليهود الشرقيون خمسين في المائة من السكان، وبهذا يكون أصل 70% من سكان إسرائيل من العالم الثالث. وبهذا المعنى تصبح لهيمنة الأقلية الاشكنازية على إسرائيل مصلحة في طمس شرقية الدولة ورفض التشابه مع العالم الثالث!

وألقت الصفوة الإسرائيلية، إيديولوجيا، المسؤولية كاملة، عن وضع اليهود الشرقيين، على اليهود أنفسهم وعلى البلاد الشرقية التي جاءوا منها. وهي تجعلهم لهذا يعيشون تحت سطوة نظام كولونيالي وكأنهم امة داخل امة!

وعندما وصل أبواها العراقيان إلى إسرائيل من بغداد اكتشفا «نحن في العراق كنا يهوداً وفي إسرائيل نحن عرب».

وكانت هوية اليهود العربية قوية بما يكفي لتجعلهم يختبرون «جزمة» العنصرية، لكن كانت هويتهم أيضاً تجريدية بما يكفي لتجعل وجودهم العربي يغيب عن صفحات كتب المدارس «وبما إن إبداعنا الثقافي بالعربية والعبرية والآرامية جرى محوه، فقد بقيت الصورة، أمامنا، باهتة عن الحياة في بغداد وفاس وتونس والإسكندرية وحلب وصنعاء.. كان مظهرنا الخارجي يشي بنا وجعلنا نتمثل النظرة الاشكنازية والإيمان بحقيقة صورتنا البشعة في المرآة التي وضعوها أمامنا».

كيف كان اليهود يعيشون في فلسطين؟ أعلنت أول عريضة احتجاج من عرب القدس ضد الصهيونية في عام 1918 «نريد أن نعيش مع اخوتنا اليهود أبناء البلاد الأصليين بمساواة، حقوقهم كحقوقنا وواجباتهم كواجباتنا».

 

alzubaidi@surfeu.de

طباعة