ثنائية الأدب والجسد

أحمد السلامي

عندما تثار قضية توظيف الجنس في الأعمال الأدبية المعاصرة، يلجأ بعض النقاد في دفاعهم عن مشروعية هذا التوظيف إلى استعادة عناوين من التراث تضم مصنفات أنجزها فقهاء، ولا مجال لمقارنتها بالنصوص الحديثة طبقاً للمعايير النقدية الواعية بتطور أشكال الكتابة، والمدركة للفارق الأسلوبي الشاسع بين رواية مثل «الخبز الحافي» وكتاب مثل «طوق الحمامة»، ويبقى المبرر الوحيد لاستدعاء التراث في هذا السياق هو البكاء على أطلال المجتمع الذي أنجب ابن حزم الأندلسي مقارنة بالمجتمع الذي حاصر الروائي الراحل محمد شكري ومنع طباعة كتبه في بلده.

لا أجد مسوغاً لمن ينتقد توظيف الجنس في الحيز الطبيعي من العمل الشعري أو الروائي. غير ان من حق الناقد الكشف عن مدى مقدرة النص على الابتعاد عن المباشرة الفجة أو الإثارة المجانية التي لا تخدم القيمة الكلية للعمل الأدبي.

وإذا ما بحثنا عن الأسباب التي أدت إلى شيوع المشاهد الجنسية بكرم بالغ في بعض الروايات الجديدة على سبيل المثال، فسوف نجد أن المؤشرات الاجتماعية الراهنة في المنطقة العربية قادرة على إرشاد الدارس لمعرفة اتجاهات الأجيال الأدبية الجديدة وسر اهتمامها المتزايد بالمسألة الجنسية.

ولعل من أبرز تلك المؤشرات ما نشهده من انتشار التيارات الراديكالية وتراجع مجتمع المدينة عن خيارات الحداثة بالمعنى الجوهري للكلمة وليس بالمعنى الاستهلاكي، الأمر الذي أدى إلى إعادة إحياء الصورة النمطية للأنثى في الوعي الذكوري.

ويبدو ان استثمار بعض المنابر الإعلامية لهذه القضية بقصد الإثارة، هو ما يدفع النقاد أحياناً إلى التخلي عن المنطق النخبوي للنقد لتهدئة العامة ومؤسسات الرقابة الظاهرة والمستترة.

وفي المقابل لم يتوانَ الأدباء عن تفعيل الرقيب الداخلي لتجنب الصدام مع المجتمع، وما يلفت الانتباه أن السينما العربية ظلت محافظة على سقف الانفتاح الذي رافق ولادتها ونقلت ميراثها البصري بإيجابياته وسلبياته إلى أغنية الفيديو كليب، بينما ظلت فنون الأدب تواجه القيود والمحرمات التي تفرزها التحولات الاجتماعية والسياسية المتعاقبة.

وبالطبع فإن توظيف الجنس في الأدب من عدمه لا يعد بالضرورة مؤشراً إلى قياس مستوى تطور الإبداع، لكن الواقع يشير إلى أن عيون الرقابة الرسمية والشعبية ظلت مفتوحة على فنون الكتابة أكثر من غيرها، لدرجة أن النخب التقليدية حاصرت شكل قصيدة النثر قبل مضمونها، باعتبار أن شكلها الملتبس يمثل خطراً على ديوان العرب حسب زعمهم.

وبالعودة إلى ثنائية الجنس والأدب نجد ان التجارب الشعرية لدى الأجيال الجديدة ظلت مهمومة بمعركة تثبيت الشكل، وبدت استضافة التجربة الجنسية في الشعر مسألة عابرة ولا يمكن النظر إليها بوصفها ظاهرة، قياساً بالكم الهائل من الروايات الجديدة التي تتمحور أغلبها حول موضوعة الجنس. لذلك تبدو الظاهرة لصيقة بالرواية أكثر من التصاقها بالشعر، لأن النص الشعري مهما اقترب من الجسد فإن اشتراطاته الفنية والأسلوبية تعفيه من الوقوع في المباشرة بعكس السرد الذي لا يحفل بالمجاز بقدر ما يحفل بالوصف.

طباعة