قرَّاء ومسؤولون


بعض القراء لا يرضيه من الكاتب إلا أن يجعل قلمه مدفعاً عملاقاً يرسل قذائفه في جميع الاتجاهات فيصيب أو على الأقل «يدوش».

ولا يعجبه في المكتوب إلا أن يكون انتقادياً نارياً، يطيح ولا يريح، ويفضح لا أن يشرح.

هؤلاء لا مكان عندهم لجزء مملوء من الكأس، وإن كان الفراغ فيه مسافة قليلة للهواء لزوم اللياقة واللباقة وحسن التقديم.

الكاتب والمكتوب في نظر هؤلاء إما أن يكون بنظارة سوداء لا يرى الدنيا من خلف عدساتها إلا قاتمة كالحة معتمة، فهو النموذج الصادق المخلص الذي لا يرائي ولا ينافق وإن جعلها سواداً في سواد.

هؤلاء ربما تكون لهم أسبابهم التي أوصلتهم إلى هذا المصاب في مراكز أبصارهم فجعلت النظر عندهم بلونين فقط، وأفقدتهم نعمة الإحساس بسائر الألوان الجميلة والزاهية، والتي قد يكون بعضها مؤذياً للنظر، ولكن أكثرها يسر الناظرين.

ربما كان السبب في هذه النظرة الحادة صناعة خاصة ابتدعها أصحابها، وما أنزل الله بها من سلطان.

هؤلاء لا يخلون من حرص وإخلاص ورغبة صادقة، ولكن تغلب عليهم روح الشك والتوجس، فيُذهبون إخلاصهم وحرصهم بكلماتهم الحادة وسوء ظنهم في كل ما حولهم.

وبعض المسؤولين لا يرضيه من الكاتب إلا أن يكون بعيداً عن حدود سلطاته إذا كان في الأمر شيء من نقد أو توجيه ملاحظة، ويريده قريباً جداً ليبرز إنجازاته، ويسهم في ذكر مناقبه، ويكون رسول خير بينه وبين صاحب القرار.

ولا يعجبه في المكتوب إلا أن يكون بيان التأييد، وصحيفة تلميع، وكلمات تمجيد.

هذا النوع من المسؤولين يصف الرأي بأنه بنّـاء إذا كان على هواه، ويصور الكاتب على أنه الصادق الأمين والمكتوب هو مداد العارفين.

ولكن سرعان ما تنقلب الأوصاف إلى إمام الكاذبين و«خربطة» الجاهلين لو ضل القلم طريقه وتاهت على الكاتب الفكرة، واعتقد بأن صدر المسؤول من الرحابة ما يسعه لأن يسمع الرأي الآخر، ويقبل بالفكرة الأخرى ويتقبل الملاحظة.

هؤلاء المسؤولين بحاجة إلى دورات إرشادية تفهمهم أن المكان الذي يتولون مسؤوليته ليس ملكاً ورثوه، ولا صك بيع ملكوه، وتعلمهم بأن الصديق من صدَق لا من صدّق.
    adel.m.alrashed@gmail.com