جسد بلا روح - الإمارات اليوم

جسد بلا روح

 
يختزن الموروث الشعبي العربي صوراً عديدة للمرأة، بعضها تعكس ما تعانيه المرأة اليوم من إقصاء لوجودها ودورها الاجتماعي والإنساني، ولا يمكن الفصل بين الماضي والحاضر في الثقافة العربية؛ لأن البنية الاجتماعية العربية لا تزال وفية لموروثها بسلبياته وإيجابياته. تواصل اجتراره وتمثله، وتنتقي منه ما يعزز استمرار النظر للمرأة بوصفها عاراً وعورة.

 

ولا يمكن تجاهل دور الآراء الفقهية المتعصبة وإسهامها في تفريخ التشدد وما ينجم عنه من عنف ضد المرأة وإلغاء لشخصيتها وكيانها وتكبيلها بأشكال متعددة من القيود والمحرمات. بل إن التشدد باسم الدين جعل المرأة تظهر في هيئة كائن أسطوري يغلفه القماش الأسود حتى في المناطق الجغرافية الأشد حرارة. وإذا ما أبدت بعض الجماعات المحلية احتراماً لحواء فإن هذا النمط السلوكي المغاير للسائد إنما يتكئ على موروث شعبي يتعلق بطبيعة الحياة الاقتصادية لتلك الجماعات وحدها، حيث لا تزال المرأة تحتفظ بدورها في النشاط الاقتصادي للأسرة، كما هو الحال لدى بعض القبائل والعشائر البدوية التي تعلي من شأن المرأة وتمنحها الثقة المطلقة، ونجد هذا السلوك الإيجابي شائعاً في المناطق الريفية الفقيرة، فتبدو جوانب بعينها من الحياة الفطرية البسيطة في الريف أكثر تقدماً من مجتمع المدينة في ما يخص تعامل الرجل مع المرأة وما تعكسه العلاقة بين الطرفين من شراكة وتعاون.

 

ينقل لنا التراث العربي فعل الوأد باعتباره عملية موجهة ضد جسد الأنثى بقصد مواراته وتغييبه، وفي الوأد المعاصر الذي لم ينقطع عن الماضي القريب والبعيد، يستمر الفعل ولكن بانزياحات فرضها التحول الاجتماعي والقانوني الذي أجبر الذكر العربي على ابتكار آليات وطرق عديدة لدفن المرأة. وإذا كان الوأد في العصر الجاهلي مُورس بصورة حسية مباشرة عبر تغييب الجسد الأنثوي الزائد على الحاجة، فإن الوأد المعاصر يمارس بصورة معنوية مباشرة وأخرى حسية غير مباشرة، والقاسم المشترك بين الحالتين يتمثل في النظر إلى الأنثى باعتبارها جسداً بلا روح، معرض لممارسة الرذيلة، وقابل للإغواء، ومثير للفتنة. بمعنى أن المرأة في الوعي الذكوري التقليدي جسد شيطاني فارغ يضج بالخواء، ووعاء للجنس وآلة للإنجاب وخادمة للزوج ومنتجة بالضرورة، تعمل دون أجر، وتنهك قواها في العمل اليدوي أو الزراعي مثل أمها وجدتها وقريناتها الشقيات. إن تغييب الكيان الإنساني الكامل للمرأة واستحضارها على هيئة جسد هو الأساس الذي ترتكز عليه ثقافة الوأد قديماً وحديثاً، وبعيداً عن زفرات العشاق العذريين الذين كانوا يتماهون مع أرواح حبيباتهم، فإن هاجس تغييب كيان المرأة في وعي الذكر يرتبط بتحولها في مخيلته إلى جسد تابع غير مستقل، وتجريدها من حقها في الحياة كإنسان كامل يمتلك جسده ورغباته وجهده وطاقته.

 

قد يبدو الكلام هنا عن تغييب المرأة مكرراً، أما المناسبة التي قادتني لتناول هذا الموضوع فهي الندوة التي يسعى بيت الموروث الشعبي في اليمن لإقامتها تحت عنوان «المرأة الموؤدة في الموروث الشعبي والحاضر المتورط في الغياب»، ولعل الجديد في موضوع هذه الندوة هو تركيزها على بحث أسباب تهميش المرأة من خلال العودة إلى الثقافة الشعبية المتوارثة من حكايات وأمثال وأقوال مأثورة وحكم وأزجال وكل ما يتصل بالموروث الشفهي الذي يكرس لثقافة العنف ويصدر أحكاماً قطعية ضد المرأة عبر مقولات تتغلغل في الأذهان وتمارس سلطتها دون توقف.  

slamy77@gmail.com  

طباعة