مهرجان دبي سوق كبيرة

 

 
تفتح نافذتك.. فتطللا على القارات الست معاً! ... هي «دبي» إذاً ! أنت، هنا، في بلد تُقال فيه «صباح الخير»، كل يوم، بأكثر من ثلاثمئة لهجةٍ، ومئة لغة! تُفتح الشبابيك، تُسقى النباتات، يُجهّز التلاميذ للمدارس، تُوضع حمرة الشفاه، يُسلق الأرز، يٌلبس الجينز، تُقاد المركبات، ويُشرب الشاي.. كل يومٍ، بأكثر من مئتي طريقة.  في مطعمٍ صغيرٍ تتجاور خمس أو سبع دول على طاولتين، وفي مصعد البناية تبتسم لبعضهما ديانتان، وتتلامس أكتاف ثلاث قارات،.

 قبل أن يهبط الجميع في طابق واحد! وعلى مرآة الفندق الأنيق ترى وجوهاً سمراء، وشقراء، وبيضاء، وسوداء، وقمحية، وعيوناً واسعة، وضيقة، وضاحكة، كأنما أنت لا تحتاج -لتعرف العالم- سوى أن تزور مدينةً واحدةً! وسط «مهرجان التسوّق» تتحاور حضارات، وتُسلّم على بعضها بلدانٌ لم تكن بينها أي يوم حدود، أو اتفاقات تعاون، أو حتى زيارات مجاملة؛ هنا فقط اكتشفت بعضها، وصار ودّ. في دبي، من السذاجة المفرطة أن تعتقد بأن الناس جاؤوا هنا لمجرد فرصة عمل، ذلك أن ما ساق الناس كلّهم إلى هنا، وما جعل تأشيرة السفارة الإماراتية في كل بلد من تلك البلدان حلم كل شاب هناك،
 
هو شيء أكبر بكثير من مجرد كيس «عملة صعبة»! ذلك أنه هنا، في دبي، لا شيء يقف أمام الموهبة والطموح الشخصي، ولا شيء يعيق من يمتلك القدرات النابهة، أن يصنع مشروعه، ويحقق أناه، وأن يشهر ذاته الكفؤة في وجه العالم، وأن يترجم أحلامه المؤجّلة. كما أن من السذاجة، ذاتها، الاعتقاد بأن هؤلاء الملايين الذين زاروا مهرجان التسوّق، في دوراته المتتالية، إنما جاؤوا ليتبضعوا ويتسوّقوا الأقمشة والأنتيكات، وملاءات السرير،

ذلك أنهم، في الغالبية، جاؤوا يتسوّقون البهجة والهواء الآمن، البهجة التي لو كانت تعبأ في صناديق لكانت هي أهم صادرات دبي! فالذي تشهده المدينة العربية، الأكثر شهرة في السنوات الأخيرة، ليس فقط هذا الحراك العمراني النشط، والأبراج الباذخة التي دخلت «موسوعة غينيس»، فالتنمية الاقتصادية، على أهميتها، ليست إنجاز دبي المشهود؛ بقدر ما هو المهــم تنمية الدهشة!!فمهما بلغت حصة المواطن من التنمية العمرانية، ومردوده من نسب النمو الاقتصادي، وأياً كان حجم انعكاس التطور الحضاري عليه؛ في نمط معيشته وحياته اليومية، إلا أن حاجته للبهجة والشعور بإنسانيته المُقدّرة؛ تظل أولى احتياجاته، وهذا ما يحدث هنا؛ تنمية الدهشة، والعمل الدؤوب على زيادة حصّة المواطن، والمقيم، والزائر، منها، في كل عام! هنا مناخ مُواتٍ، وأرضٌ لينة لأن يزرع الناس أحلامهم ...

ثم ليرونها تُورق. وفي ذلك سمعت من سيدة عربية، هذا الأسبوع، أن خادمتها الآسيوية قالت لها: «اشتريت بيتاً صغيراً في بلادي، لأمي وشقيقتي، وأنشأت لهم دكاناً صغيراً، ولم يعد مطلوباً مني أي واجب تجاه أحد، وأستطيع ان أعود لبلادي، لكنني الآن أبقى هنا بحب ورغبة؛ وليس لحاجة ذلك، فهنا أجد شخصيتي المستقلة، وكياني الحرّ».

العالم القرية في مهرجان التسوّق الكبير، هذا، الذي يصطخب بلقاء أبناء العالم، كلهم، في كل عام، ثمة اوراق اعتماد دبلوماسية، غير تقليدية، تقدمها الشعوب لبعضها بعضاً، عبر الأغنيات، والرقصات الفلكلورية، ومنمنمات السجّاد، والمشغولات اليدوية، والأكلات الشعبية، والأزياء القديمة، حيث تتيح «دبي» منصّة تاريخية، ونادرة من نوعها،
 
تلتقي عليها الدول لتلقي نظرة من الفضول على بعضها، قد تتطور إلى علاقات متينة، ويتبادل الضيوف المشاركون بأنشطة شتى، خبرات جديدة ومدهشة، الأمر الذي يخلق لاحقاً تناغماً ما، وتصالحاً بين النسيج الثقافي لسكان العالم، ويسهم في رواج مفردات مشتركة تجمع الناس، ويؤسس لبنية من التفاهمات والتقاطعات تؤسس لـ«صداقة الحضارات»، وليس صدامها بالتأكيد. 

   وهنا، بعد أن تعيش في دبي لبعض الوقت، تكتشف أن ما يحدث بين الناس المقيمين فيها، ليس حوار سياح على الإطلاق، ذلك أن انطباعات السائح سريعة وعابرة، وغالباً ما تشوبها المجاملات، وعبارات الامتنان، كما أن السياح عادة ما يقيمون في أماكن بعيدة عن أهل المدن، وفي الفنادق، ولا يختلطون بالناس، وينصرفون إلى نزههم الأثرية، لكن الذي يحدث في دبي، الآن، مختبرٌ كبيرٌ للتعايش بين أبناء الثقافات، والحضارات، واللغات، والقوميات المتعددة، وتطبيقٌ فريدٌ من تطبيقات عولمة أخرى، غير تلك التي يُروّج لها بحكم القوة، وتُفرض على الشعوب بحجة الأسواق المفتوحة، وتطمس هويات الأمم العريقة. في دبي تزرعُ الهنديةُ نبتتها الوطنية على إفريز النافذة، ويُعلق العربيلا علم بلاده في سيارته، ويوشم الإفريقي طفله بوسمه القومي، ويفاجأ الأوروبي أن العرب لا ينامون في حظائر الإبل؛..
 
هنا نموذج آخر من العولمة التي لا تبتلع الهويــات؛ وإنما تحتفي بها وتفسح لها لتتــعايش، وتتحاور، وتلقي التحية على بعضها في مصاعد البنايات! ولا أعتقد أن أي باحثٍ أو دارسٍ مختص، أمعن قراءة التطبيق المشوّه والرائج للعولمة، يستطيع أن يتجاهل الوجه الآخر، الذي تنحته رؤى عربية خالصة؛  هنا في دبي، وفق تطبيقات  كثفت العالم، وأعادت صياغة العلاقات بين الثقافات المتشابكة والمتصالحة، والمتضادة والمتنافرة، لتنتج فهماً جديداً ينظــم المعادلات  الجديدة للكون؛ بحيث لا تتغوّل «الأتمتة» على الفكرة، ولا تجتاح «المكائن» منــاصب  البشر، ولا تهيمن أجهزة «اللاب توب»على مساحة المكتب كاملة؛ فيظل هنا موطئ لقلم، وفرجار، وكتاب لـ«ابن خلدون»، أو قصيدة عربية.