«ذهبان».. التراث الإماراتــي مطرّز بالذهب

يكمن التميز في القدرة على التطوير المبتكر والذكي للمعروف والمتداول وتحويله إلى شكل جديد بالكامل لا يمكن ربطه بالقديم، ولا يمكن فصله عنه في الوقت ذاته، وقد يكون التراث الإماراتي أكثر غنى وسحراً مما يتصوره المرء، بتلك التفاصيل التي تزيّن أحد أهم أجزائه، من ملابس وحُلي من الذهب المزخرف المتدلي تارة والمزخرف تارة أخرى، الغني بتفاصيله والبراق بلونه الأصفر الملفت.

«ذهبان»، هو الاسم المحلي التقليدي للذهب والحُلي، وهو الاسم الذي فضلت مصممة الأزياء الإماراتية، فريال البستكي، أن تختاره لمجموعتها الأخيرة المستوحاة من الذهب الإماراتي التقليدي، لتخرج بواحدة من أنجح مجموعاتها حتى الآن، وهي المجموعة التي قدمتها لأول مرة في عرض أزياء أقيم في العاصمة البريطانية لندن، أخيراً، جزءاً من «ملتقى المرأة العربية والاقتصاد العالمي» تحت رعاية الشيخة الدكتورة هند بنت عبدالعزيز القاسمي، لتقدم المصممة من خلال هذه المجموعة نظرتها الخاصة المستلهمة من الحُلي الإماراتي القديم الذي كانت تتزين به العروس في السابق، والذي لايزال حتى اليوم صديق العروس الإماراتية الأول في ليلة الحناء التقليدية التي تسبق حفل الزفاف. استعانت المصممة خلال المجموعة بالتطريزات المبتكرة المشابهة لأشكال وتصاميم الحُلي و«الذهبان» الإماراتية بألوانها الذهبية وتفاصيلها الدقيقة، وهي التطريزات التي أخذت أماكن الحلي الأصلية فوق الملابس، التي فضلت المصممة أن تلعب في قصاتها وتركز في تطويرها بهدف الخروج بشكل مختلف ومميز، يبعد المجموعة عن التكرار ودائرة التقليدي المعروف، وهو ما نجحت به بجدارة، حيث استطاعت أن تقدم مجموعة لا يمكن وصفها سوى بالمبتكرة، رغم التمسك بلمسات الإلهام التراثية.

حرير الهند

قد يكون قماش التافتا، والحرير الهندي المعروف بالـ«شانتون» أحد أكثر القطع التي تعكس الترف والتألق المصحوب بهدوء متفاوت الظلال، لما تتميز به هذه الخامات من ثقل عالي الجودة، وسماكة مرنة، والتماعة بسيطة تستجيب للضوء وتتوارى تموجاته تحت ظلال كثيفة، وقدرته الساحرة لعكس درجات لونية مزدوجة، رغم طبيعته السادة، إضافة إلى قدرة هذه الخامات على التشكل والانتفاخ السهل لما تتصف به من خفة رغم عدم شفافيتها، والتي كانت الاختيار الأمثل للقصات التي رغبت المصممة في تحقيقها، بينما استعانت المصممة أيضاً بلمسات بسيطة من قماش الشيفون الخفيف الشفاف الذي أضاف لمسة لافتة لسحر الطبقات المتتالية.

قصات

تفاوتت قصات المجموعة بين الفساتين الطويلة الضيقة عند الجذع، رغم عدم التصاقها التام على حنايا الجسد، والطويلة المنتفحة والمتموجة في تنورتها، إضافة إلى الجلابيات الواسعة المفتقرة إلى الأكمام والمزينة بسترات ذات أكمام طويلة بقصة واسعة نصف دائرية، إضافة إلى فساتين ذات تحدد الخصر بأحزمة عريضة لتتسع التنانير وتتموج بانتفاخ منسدلة حتى الأرض، وتنتفخ الأكمام بتموج من الكتف وحتى الكوع، كما قدمت المجموعة قصات أكثر غواية لمن تفضل الكشف عن الساعدين والساقين، من خلال فساتين متفاوتة الأطوال بقصة المناديل المنسدلة المزينة بحاشية ملفتة، بينما تعلقة حمالة الفستان بالرقبة على شكل أقرب إلى العقد، كما قدمت المصممـة تصاميم أخرى اعتمدت على فكرة القصة القصيرة من الأمام والطويلة من الخلف والمتموجـة كاشفة عن ربلة الساق حتى الكاحل فقط ومن دون أكمام، لتتزين بعباءة شيفونية قصيرة حتى أسفل الركبة تتزين حواشيها بتفاصيل ناعمة.

استعانت المصممة، إلى جانب الفساتين والجلابيات «الشانتونية»، إلى فكرة السراويل الواسعة المنتفخة، بقصة «الشروال» مع اعتماد المبالغة في انتفاخها واتساعها، لتزين الكاحل بالتطريزات المشابهة لفكرة السروال التقليدي الإماراتي الذي يلبس أسفل الجلابيات، وصاحبت هذه السراويل بلوزات بسيطة بيضاء بحمالات، غطتها قمصان شيفونية واسعة بأكمام واسعة أيضاً تزينت بالتطريزات الذهبية المشابهة لشكل القطع الذهبية المحلية القديمة مثل «المرتعشة» تارة، و«المرية» تارة أخرى و«الدلال»، و«الستمي»، و«السمط»، (وهي أسماء تقليدية محلية لقلائد وعقود من الذهب)، إضافة إلى الأساور العريضة مثل «حب الهيل»، و«بو الشوك»، ونطاق الخصر المسمى بـ«الحكب»، وتميزت القمصان بقصتها القصيرة من الأمام والطويلة المنسدلة بثقل من الخلف، كما لو كان أقرب إلى فكرة الثوب الإماراتي في قصته، والذي تحول إلى قميص عملي مبتكر.

تفاصيل

على الرغم من أن هالة من البساطة والهدوء والحداثة تحيط بالمجموعة وتعطيها ذلك التأثير المطور والمعاصر، إلا أن المجموعة تتميز بالكثير من التفاصيل الدقيقـة والغنيـة التي تركزت في التطريزات المستوحاة من الحلي التراثية، معتمدة تطريزات ذهبية بارزة ومشابهـة تماماً للشكل الحقيقـي للقلائد الذهبية التراثية مثل «المرتعشة» والمرية، كما لو كانت حقيقية واقعية يمكن لمسها باليد، تزينت بأحجار من اللون الفيروزي والأحمر الياقوتي والخرز اللؤلؤي ولمسات بسيطة من المعدن الذهبي المكون لوريقات تنتهي بها التطريزات، والتي أرادت مـن خلالها المصممـة أن تعكس فكرة أحجار الفيروز، والياقوت، واللؤلؤ في قطع الذهب الحقيقية.

إضافة إلى تطبيق أشكال الحلي التقليدية بتطريزات الخيوط الذهبية، استعانت المصممة بشكل السلاسل الذهبية المتدلية الكثيفة والمنسدلة من «المرتعشة» كلمسة طبعتها على أكمام بعض التصاميم من سترات المتموجة القصيرة، والتي اعتمدتها كقطعة لتغطية اليدين عند الرغبة. ولم تخرج المصممة من دائرة البساطة، عبر اعتمادها ألواناً هادئة وفاتحة بعيدا عن الصارخ والفاقع، معتمدة الأبيض الكريمي، والأزرق السماوي، والوردي المرجاني الفاتح، إضافة إلى البني العنبري، الأقرب بدرجته إلى النحاسي المحروق، كما استعانت المصممة باللون الرمادي الفاتح جداً، مع ضربة قوية من اللون الأحمر المطرز على شكل سترة قصيرة، بينما فضلت المصممة أن تضيف لمسة لونية متباينة من خلال تبطينها أكمام بعض القطع بلون قوي ملفت ينكشف مع الحركة، مقدمة بذلك مجموعة ذكية وشديدة الابتكار يمكن أن توصف بأنها أفضل ما قدمته المصممة فريال البستكي حتى الآن.

 

 

الأكثر مشاركة