فريـد لفـتة: الأرض اسـتراحتي ووطني السماء
يحب العراقي فريد لفتة أن يظل طائرا في السماء ولا يطأ الأرض إلا للاستراحة، فأحلامه في السماء لا حدود لها، على الرغم من وصوله الى أبعد نقطة يمكن أن يصل اليها الإنسان، حيث قفز الى الأرض من ارتفاع 3000 قدم في القطب الشمالي، في رحلته الاخيرة الشهر الفائت، التي كانت برفقة البعثة الألمانية الروسية والتي أوفدت فيها 135 عالما من 22 دولة، وتوجته أول عراقي يصل الى تلك النقطة، ولقبته بهرقل الشجاع، في قفزة تكللت بالمخاطر ولم تتعد الدقائق الثلاث لإنجازها، فلفتة الذي دخل موسوعة غينيس العام الماضي، بعد ان قفز فوق قمة ايفريست التي تعتبر أعلى قمة في العالم، مازال يطمح في أن يصل الى نقاط لم يصل إليها انسان، ليس لشيء سوى ان يوصل رسائل سلام باسم العراق وأقطار الوطن العربي كافة، حسب ما قاله في حوار لـ«الإمارات اليوم»، وقال لفتة إن رحلته الاخيرة الى القطب الشمالي كانت مكللة بالمخاطر، وإن فريق العلماء المرافق نصحه بعدم القفز «إلا انني تمسكت بموقفي في القفز ووافقت على توقيع أوراق، لتحمل المسؤولية كاملة اذا ما اصابني مكروه»، مستذكرا وجوه من رافقوه التي كانت مملوءة بالحزن، وكأنها تودع إنسانا قريبا من الموت.
| قفزات القفز فوق قمة إيفرست، أعلى قمة في العالم 30 ألف قدم (موسوعة غينيس)، كأول عراقي ضمن هذه الموسوعة. أول طيار مدني عربي عراقي يحلق في طائرة مقاتلة من نوع ميغ-،29 إلى حدود الفضاء لارتفاع 90 ألف قدم. أول طيار عربي عراقي يحلق مع أبطال العالم للاستعراضات العسكرية الجوية، في طائرة مقاتلة من نوع أل-.39 أول غواص حر عراقي على الإطلاق، ويحقق 80 مترا، تحت سطح البحر، من دون تنفس لمدة أربع دقائق ونصف الدقيقة. أول طيار عراقي مظلي بمحرك. أول طيار شراعي دولي عراقي. حقق أول قفزة مظلية حرة مدنية فوق بغداد، كقفزة سلام ومحبة للعراق. |
رسالة للسلام
ويقول لفتة إن قفزاته خلال السنوات الخمس الفائتة تجاوزت الـ1000 قفزة، وجميع القفزات التي تمت في مناطق متعددة من العالم كانت لإيصال رسائل انسانية، وعلى رأسها رسالة تدعو إلى المحبة والسلام، مؤكدا «أنا كعراقي ولدت في بغداد، وعشت طفولتي وكل مراحل عمري فيها حتى جاءت الحرب، فرحتُ ابحث عن طريقة لأوصل رسالة العراق بعيدا عن الأسلحة والدمار»، ويضيف «بما أن هواية القفز والطيران موجودة في شخصيتي منذ كنت اقفز من خزانة الملابس الى الارض في عمر خمس سنوات، ارتأيت ان تكون صبغتي الخاصة والشخصية في التعبير عن ولائي للعراق ولأمتي العربية مختلفة ومتميزة، بعد ان احتضنتني الامارات وعائلتي على أرضها، بعد تعرض اخي الصغير لعملية خطف وإصابتي برصاصة من مسلحين في العراق»، ويوضح «تعلمت كل ما له علاقة برياضة السماء، وعززت مهاراتي من خلال الممارسة شبه اليومية والمشاركة في مسابقات عالمية، إلى أن وصلت إلى هذا المستوى»، وقال ايضا «الموضوع له علاقة بشخصيتي المغامرة وربطها برسائل انسانية، أريد ان يسمعها العالم»، مشيرا إلى انه كتب رسالة باسم العراق والعرب في رحلته في القطب الشمالي «حيث وضعت الرسالة في اسطوانة، وضعت على عمق 4622 مترا في قعر البحر»، مؤكدا أن «الأسطوانة التي وضعت فيها الرسالة تستخدم في المنشآت النووية، وأنها تقاوم جميع الظروف الطبيعية من مياه وملوحة وحرارة البراكين والصخور الصلبة، وستبقى لملايين السنين في قعر المحيط».
مخاطر ظاهرة
رحلة لفتة التي كانت على متن سفينة روسية نووية، كانت رحلة مملوءة بالمخاطر، على حد تعبيره «فبعد ان توقفت السفينة على نقطة الصفر، جاءت مروحية وارتفعت بي وبطاقم العلماء المرافق الى ارتفاع 3000 قدم، وخلال الارتفاع لاحظنا ان الثلج يتساقط وهذه اول اشارة لأي قافز لكي يتوقف عن مشروع القفزة»، وقال لفتة «حاول جميع من على الطائرة إقناعي بالعدول عن فكرة القفز، إلا انني كنت مصرا وقد شاهدت علامات الحزن على وجوههم وكأنهم يودعون ميتا، وبدوري كنت اشجعهم وأضحك معهم، إلا انهم جعلوني أوقع على أوراق تخلي مسؤوليتهم وتحملني المسؤولية كاملة»، وأضاف لفتة واصفا اجواء ما قبل القفزة «كانت الرؤية شبه معدومة إلا انني لمحت السفينة، وطمأنت نفسي أنني ما دمت استطعت ان ألمح السفينة من هذا البعد، فأنا قادر إذن على القفز لأصل اليها»، وأضاف «ناهيك عن الرقع المائية المحيطة بالجليد والتي كانت حول النقطة التي اريد القفز اليها»، مؤكدا «لو اخطأت القفزة قليلاً لكنت الآن في عداد المتجمدين»، واستمر لفتة في سرد حكايته التي تشبه فيلماً سينمائياً خيالياً «كانت تحيط بالسفينة ايضا دببة قطبية مفترسة يصعب الفرار منها، إذا ما تأخرت عملية الإنقاذ بعد الهبوط».
لحظة الحرية
عـزم لفـتة عـلى القــفز، وبـاتت محــاولات فريق العلماء المرافق له بإقناعه بـتأجيل القـفزة غير مجـدية، «وقـفت امام باب الطـائرة، واستـشعرت الهـواء وأغمـضت عيني برهة، كي أستجمع طاقتي، ونظرت إلى الاسفل فلم أر شيئا، فقد كانت الرؤية معدومة»، وقال «لقبت مرة بصقر العراق، واكتشفت قبيل القفزة أنني صقر بقوة نظري، حيث إنني لمحت السفينة الروسية ومن دون أي تفكير قفزت وسبحت بالهواء وشعرت بسعادة لا توصف»، وأضاف «لم اجد نفسي الا في الارض تحيط بي برك مائية ودبب قطبية وسفينة»، مؤكداً ان الوقت الذي احتاجه للوصول الى نقطة الصفر كان ثلاث دقائق، «الا انها كانت كفيلة بأن تشعرني بالحرية والتحرر من كل شيء»، ووصل لفتة بسلام إلى نقطة الصفر، لإيصال رسالة السلام التي كان يحملها، و«ابتهجت الوجوه التي ودعتني للأبد، لأنها كانت مقتنعة بأنني لن اعود، ولمست الحفاوة والفخر حين تسلمت شهادة منهم، يلقبونني فيها بهرقل الشجاع».
قفزة عاطفية
وقفز لفتة خلال السنوات الخمس الماضية اكثر من 1000 قفزة في مواقع عدة في العالم، وحصل على أعلى قفزات قام بها هاوٍ في دبي، حيث قفز 25 قفزة في مكان واحد وفي يوم واحد في جزيرة النخلة، لكن ومع كل الانتصارات التي حققها والقفزات التي نال عليها شهادات تقدير وألقاباً عدة، إلا أن للفتة قفزة خاصة جدا هي الأقرب الى قلبه، «بعد مغادرتي وعائلتي العراق مضطرين بعد عملية خطف تعرض لها اخي الاصغر، وأصبت جراءها برصاصة في رجلي، وأضاف «كانت قفزتي من سماء العراق التي قمت بها العام الفائت لبث روح السلام والمحبة، وتوحيد الدم العراقي، من خلال حملة تبرع بالدم هي الاقرب الى نفسي»، مفسراً «في العراق عشت طفولتي ومراهقتي وشبابي، وفي العراق وجوه كثيرة وحكايات نسجت عمري وصنعت اسمي».