مثقفون: «عام الهوية» لا يعني ربطها بفترة محددة

الفعاليات من اجل الهوية اعتبرها البعض خطوة على الطريق. تصوير: بيا تورلي

طالب مثقفون إماراتيون بتواصل الجهود المبذولة في الدولة لتعزيز الهوية الوطنية وإكسابها صفة الاستمرارية، مؤكدين أن إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، عام 2008 عاماً للهوية الوطنية، جاء بمثابة دعوة لانطلاق العمل في هذا المجال، على ان يتواصل في السنوات المقبلة.

واعتبر مثقفون ان الفعاليات التي أقيمت العام الماضي لتعزيز الهوية الوطنية، على الرغم من أهميتها «مازالت تتلمس الطريق، ولم ترتق بعد إلى أهمية القضية نفسها، والمستوى المنشود منها»، ودعوا المؤسسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية في الدولة للتكاتف معا من اجل الارتقاء بهذه الجهود وتحقيق المزيد من النجاح والفاعلية لها.

حارب الظاهري

ووصف رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الكاتب حارب الظاهري، في حديثه لـ«الإمارات اليوم» الفعاليات التي أقيمت خلال العام الماضي، بأنها اجتهادات بعضها مهم، وبعضها الآخر يحتاج إلى مزيد من الوقت للنضج. وقال «كان من المفروض ان تأخذ وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع على عاتقها مسؤولية تنسيق هذه الفعاليات، وإضفاء زخم معنوي وجدية عليها، إلا اننا لم نلمس هذا الأمر، حيث قامت بتنظيم مؤتمر واحد خلال العام الماضي، وهو غير كاف، خصوصاً أن كتاباً ومفكرين معنيين لم توجه لهم الدعوة للحضور والمشاركة في فعاليات المؤتمر»، مضيفاً «نحن في حاجة لأكثر من مؤتمر لمناقشة قضية الهوية وما يرتبط بها من قضايا ومشكلات، لتطرح فيها مختلف الآراء ووجهات النظر، وان تتولى جهات معينة مثل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع مهمة الاهتمام بهذه الجهود والفعاليات، على ان يشارك فيها الشعب كله من خلال الدوائر الحكومية والوزارات والمؤسسات بمختلف تخصصاتها».

تناقضات

واعتبر الظاهري، الفعاليات التي أقيمت خلال عام الهوية «محركا ووقودا، لكنها لا تخدم قضية الهوية خدمة كاملة، وللأسف بينما نجد ان قضية الهوية مطروحة على أعلى مستوى في الدولة، نرى تناقضات في الاستجابة لها، فهناك من يطالب بالهوية ويعمل ضدها، وهو ما لا نجد له تفسيرا»، مستشهدا بالشركات التي تعتمد على العمالة الأجنبية واللغة الانجليزية، والجامعات التي ابتعدت عن اللغة العربية، وقال «حتى في شوارعنا نشعر انه ليس هناك اهتمام كبير باللغة العربية والهوية الوطنية، ما يشير إلى اننا نناقض أنفسنا، ويفرض سؤالا حول مدى جدية تعامل البعض مع قضية الهوية».

ولفت إلى أن «القرار الرسمي هو الأساس، لكن علينا ان نعمل بإخلاص على هذه الأسس، وان تطرح لنا وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع برنامج عمل جادا للحفاظ على اللغة العربية والاهتمام بها، والتغلب على التناقضات التي نراها في الشارع المحلي»، مضيفا «علينا ان ندرك ان تقويم النواحي الوطنية التي فيها اعوجاج لن يتم في يوم أو شهور، لكن المهم ان نبدأ، لأننا لم نبدأ حتى الآن، بل طرحنا مصطلحات من دون ان نضع خطة تتوافق مع هذه الرؤى، وعلينا أن نناقش السلبيات كافة التي وقعت في الماضي بتأنٍ، لنضع سبل العمل الجاد الناضج، ونستشف الحلول الرئيسة، وهذا الاسلوب هو الذي سيحدث فرقا في الواقع الحالي لا ان نتعامل مع الهوية باعتبارها يوما احتفاليا في مدرسة أو أمسية تقام هنا أو هناك».

عمـل منهـجي

حبيب غلوم

وقال مدير إدارة الأنشطة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الدكتور حبيب غلوم: ان «العام الماضي شهد قفزة في التعامل مع قضية الهوية الوطنية، ولكن لم يستطع حصاد العام ان يكون على القدر نفسه من أهمية القضية». وأضاف «المستشف من الواقع الاجتماعي في الدولة، هو ان المؤسسات أصبحت تتباهى بالموضوع بقدر يفوق ما تقوم به من اجل غرسها في نفوس ومخيلة الناس، وكأن الأمر مجرد إعلانات وشعارات نقرأها ونستمع إليها هنا وهناك، ورغم أن هذه الشعارات لها تأثيرها، لكن أيضا كان من المأمول أن تعمل المؤسسات ذات الصلة بالقضية في الدولة على وضع آلية لغرس مفهوم الهوية وتأكيد أهميتها خصوصاً لدى النشء»، ورأى أن الدور الذي قامت به تلك المؤسسات جيد؛ ولكن كان يجب العمل عليه بشكل أكبر.

واتفق غلوم، مع القول إن إعلان 2008 عاما للهوية الوطنية، يمثل بداية على أن يتم الاسترسال في هذه الدعوة خلال الأعوام المقبلة، «فالهوية لا يمكن تحديدها في فترة زمنية، ولكن كان لابد من بداية لدعوة المؤسسات المعنية بالثقافة والهوية وتنمية المجتمع للعمل المتواصل، وأتصور انه خلال فترة من الزمن سيتحقق الكثير من التأثير المباشر».

وأكد أن الحديث عن الهوية والاشتغال عليها «لا يكفي أن يقتصر على وزارة أو مؤسسة لغرس مفهوم الهوية في انفصال عن بقية الجهات في الدولة، ولكن ينبغي أن يكون هناك توجه حقيقي من المؤسسات التابعة للحكومة لتأكيد جدية السعي لحل مشكلة ترسبت وتراكمت عبر أكثر من 30 سنة، وان يكون الحل جذريا ويعتمد على أسس ومنهجية واضحة».

أهمية خاصة

واعتبرت الاستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات الدكتورة مريم لوتاه، قضية الهوية على درجة من الأهمية بالنسبة لكل الشعوب، وتحتل أهمية خاصة لشعب الإمارات، خصوصاً في ظل الخلل في التركيبة السكنية وما يفرضه من تحديات على هوية المجتمع، وقالت «أدركت قيادة الدولة والمسؤولون هذه المسألة وسعوا إلى تعزيز الهوية الوطنية بكل السبل ولعل اقتراح عام 2008 عاما للهوية الوطنية يمثل إحدى المحاولات على صعيد تعزيز الهوية الوطنية لكن ذلك لا يعني أن الهوية ومسألة تعزيزها مرتبطة بهذا العام أو بفترة زمنية معينة بل هي ممتدة بامتداد وجودنا علي هذه الأرض». وأضافت «مع تقديرنا لكل هذه الجهود المبذولة والتي نتمنى ان تستمر وان تكون جزءا أساسيا في تنشئة الأجيال الجديدة سواء على صعيد الأسرة أو المدرسة أو وسائل الإعلام أو المؤسسة الدينية، والا ترتبط بمناسبة أو عام معين بل تأخذ صفة الاستمرارية»، مطالبة مؤسسات التنشئة بتبني سياسة لتعزيز الهوية الوطنية مبنية على تأكيد الانتماء للوطن والفخر به والحرص على العطاء المستمر له، وأضافت «المواطنة هي انتماء وعطاء وإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن ومنجزاته، كما ان تعزيز الانتماء للوطن والفخر به لا ينبغي ان يحمل في طياته نوعا من التعصب ضد الآخر، فنحن حريصون على الاحتفاء بالوطن والاعتزاز به، واحترام الآخر والتسامح معه». ولفتت إلى ان «الجهود المبذولة من اجل تعزيز الهوية لا يمكن ان تؤتي ثمارها في ظل استمرارية اعتماد اللغة الانجليزية كلغة للتعليم وللسوق، فمازالت اللغة الانجليزية لغة جامعاتنا الحكومية والكثير من مؤتمراتنا، على الرغم من انعقادها على ارض عربية».

قضية مستمرة

إبراهيم مبارك

واتفق الكاتب ابراهيم مبارك، مع رأي لوتاه، مطالبا بضرورة «إجبار كل المؤسسات والفنادق وشركات الأعمال على استخدام اللغة العربية، وتعزيز الوجود العربي والإكثار من العمالة العربية، بدلا من العمالة الآسيوية»، لافتا إلى حاجة المؤسسة التعليمية في الدولة لإعادة النظر في الفلسفة التي تعمل عليها في الجامعات والكليات، مضيفا «علينا البحث عن أماكن الخلل في التعليم والجامعات والشركات التابعة للقطاع الخاص والتركيز عليها، وإدخال العناصر العربية والمواطنة فيها لتعزيز الهوية».

وأكد مبارك، ان الهوية قضية يجب ان تستمر طوال الوقت، وقال «اعتقد ان كل السنوات هي سنوات للهوية في ظل ما يتعرض له الخليج العربي من طغيان كبير يدفعه للاهتمام بتعزيز الهوية ووضع خطط طويلة المدى لتقليص هذا الطغيان».

وأشارت الكاتبة الصحافية السعد المنهالي، إلى ان «عام الهوية الوطنية الذي أطلقه صاحب السمو رئيس الدولة في العام الماضي، شهد فعاليات كثيرة حاولت قدر الإمكان القبض على قصد سموه من الدعوة الكريمة، ولكن ما حدث ـ على الرغم من وضوح الفكرة ـ دل على تخبط الكثيرين حول المفهوم، وبالتالي فقدوا المعايير التي يمكن من خلالها قياس تحقيق الفكرة على ارض الواقع، وبناء على ما قاله سموه، تبدو فكرة الهوية الوطنية واضحة، كما أن مكوناتها ومعايير قياسها واضحة كذلك، وتبقى مهمة التأكيد على تطبيق هذه المعايير في المؤسسات المعنية دوراً يحق لكل إماراتي على هذه الأرض الكريمة أن يقوم به». وتابعت «ما أنا على قناعة به، هو أن جميع المؤسسات، بلا استثناء، حاولت أن تسهم في دعم دعوة رئيس الدولة، لكن ما شوه بعض تلك المحاولات وليس جميعها، إسقاط أهم عناصر تلك الدعوة وهي اللغة العربية، فأن نستوعب «الحديث والجديد»، كما قال سموه، يجب علينا أن نفعل ذلك من دون الإخلال بأصالة الأمة؛ لا مانع إطلاقا، بل ويجب علينا التعريف بما نملك بلغة عالمية يمتلكها الجميع، لكن يجب أن يحدث هذا جنبا إلى جنب مع لغتنا العربية التي هي «قلب الهوية الوطنية ودرعها وروح الأمة وعنصر اصالتها ووعاء فكرها وتراثها، كما قال سمو رئيس الدولة».

واستطردت «بدا بدهيا تماما، أن المشروع الحضاري الذي يتطلع إليه صاحب السمو رئيس الدولة «يحفظ للوطن وجوده وللمواطن هويته وللمجتمع تماسكه»، فيما نرى من الفعاليات التي تشكل في مجموعها مشروع دولتنا الحضاري قد غاب اسم الوطن منها إلا من مكان الإقامة والرعاية، وإن شارك المواطن الإماراتي، في ما ندر، على استحياء».

وأضافت المنهالي «بعد أكثر من عام من إطلاق الدعوة التي طالب الجميع بأن تستمر كبند رئيس في أجندة حكومتنا الرشيدة، اعتقد أن العام المنصرم كان فترة كافية تماما لتلمس المطلوب من الدعوة والمطلوب لتحقيقها، وهي معايير واضحة جدا، ويبقى الدور الرئيس على المؤسسات الثقافية وعلى رأسها وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية المحلية والعمل على تحقيقها والتأكد من ذلك، من خلال دورها في التنسيق مع المؤسسات المعنية مهما كان نوع نشاطها، سواء بدور توجيهي ورقابي، أو حتى عقابي». لافتة إلى أن دعوة رئيس الدولة كما شملت المعايير، شملت أيضا العقاب لمن يخالفها، فللوطن حُرمة، لن يُسمح بانتهاكها؛ وقبل هذا وذاك يجب أن تقف هذه المؤسسات المعنية، على حد تعبير المنهالي، وقفة مصارحة مع الذات قبل مراقبة الآخر تعرض فيها بشفافية ما تعلنه كاستراتيجيات وبين ما تلتزم بتطبيقه في تفاصيل أنشطتها.

نتائج مرجوة

قالت الاستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات الدكتورة مريم لوتاه: قد يكون من الصعب قياس إذا ما كان كل ما قدم خلال العام الماضي، على صعيد تعزيز الهوية الوطنية قد جاء بالنتائج المرجوة أم لا، مستدركة أن هناك مؤشرات قد تعطي دلالة على صعيد تعزيز الهوية الوطنية من أبرزها «تعلق الأجيال الشابة برموز الانتماء لهذا الوطن والتي أخذت أشكالا عدة، مثل الفخر بالانتماء للإمارات والحرص على ارتداء الزي الوطني، ورفع أعلام الإمارات وإلصاقها على كتبهم وأشيائهم الخاصة، والحرص على التحدث باللغة العربية وباللهجة المحلية أحيانا واعتقد ان مسلسل فريج له دور أساسي في ذلك»، مشيرة إلى مناخ الفرح الذي ساد البلاد خلال الاحتفال بالعيد الوطني والشعور بفرح الاحتفال به للمرة الأولى بعد قيام الاتحاد، وما بدا واضحا في وسائل الإعلام من اهتمام بالثقافة الشعبية بمختلف أشكالها مثل الشعر والفنون الشعبية المحلية والتراثية وهو ما يربط النشء بهويته الوطنية ويعزز لديه شعوره بالانتماء للوطن.
طباعة