‬14 عملاً للفرنسية كارين روش في «آرت سوا» بدبي

«مساحات ملونة».. انسجــام بين الأبنية والطبيعة

صورة

تمزج الفنانة الفرنسية كارين روش بين الطبيعة والأبنية، لتنتج من خلال لوحاتها مدناً خاصة تقودنا الى تفاصيلها التي تنسجم فيها الأبنية مع المساحات الطبيعية، فتلتحما معاً لتفصلانا عن المحيط الخارجي. جسدت روش في معرضها الذي حمل عنوان «مساحات ملونة»، والذي افتتح أخيراً في «آرت سوا الامارات» بأسلوب حقيقي وحالم، راصدة الابنية والمساحات المزروعة بالزهور.

وتنطلق في عملها الفني من خلال صورة تلصقها على الكانفاس. تشكل الصورة نقطة البدء لديها، ومن خلالها تبني بقية تفاصيل العمل مع الحرص على ان تكون الألوان مستمدة من الصورة، الأمر الذي يصعب مهمة ايجاد الصورة فيما لو نظرنا الى العمل عن بعد. هذه الصور التي تضعها روش غالباً ما تكون صورة شجرة أو زهور أو صورة لسعف النخيل، جميعها التقطت في أماكن متفرقة من الإمارات خصوصاً في الحدائق العامة كحديقة الصفا في دبي، وحديقة الخالدية ومدينة مصدر في أبوظبي. حيث تبني روش عملها من خلال المضاعفات فتعتمد تضخيم الأبنية والزهور لتصل في الاخير الى مشهد غير متناهٍ، حيث لا حدود لارتفاع الأبنية او تقسيماتها، وكذلك لا نهاية للمساحات التي تفرش عليها الزهور التي تختزلها بضربات طولية توسع من خلالها حدود الكون، متجاوزة من خلال ذلك الإطار الكلاسيكي المتعارف عليه.

ألوان

سيرة لونية

أقامت الفنانة الفرنسية كارين روش اول معارضها الفردية في عام ‬2000، ثم شاركت في العديد من المعارض الجماعية في دول عدة أبرزها الإمارات وفرنسا والصين ونيويورك، وبيروت، وبلجيكا. أما معارضها الفردية الكبرى فكانت أغلبها في باريس وأبوظبي. وحصلت روش على جائزتين الأولى عام ‬2003، بينما كانت الجائزة الثانية من مؤسسة كولاس عام ‬2006.

تتجه الألوان في اللوحة الى البرتقالي، أو الزهري او الأحمر، مع وجود مساحات مهمة للأخضر في اللوحات ذات الخلفية المتجانسة بين الابيض والأزرق. وتحرص روش على عدم ترك مساحات خالية في لوحاتها، لهذا نجد أعمالها مكتظة بكل ما تحمله سواء كانت أبنية او حتى أشجارا وورودا، بينما يغيب البشر بشكل مباشر، فيبدو كأن أثرهم موجود وسط الزحام الذي تحفل به مدن روش، ما يوجد نوعاً من الجمع المنسجم بين الضجيج والهدوء. ان خلو مدينة روش من العنصر الانساني المباشر لا يقدم اي احساس للمشاهد بالوحشة او الاغتراب، لأن الغنى في المشهد الذي تطرحه الفنانة الفرنسية يكسر كل انواع الصمت التي تنجم عن الجماد، ويوجد لغة لونية حافلة بالذكريات التي خلفها البشر في تلك الأماكن.

تعتمد روش على التشييد الهندسي في البناء الكلي للوحة، فتبدو شديدة الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، فالأبنية تتشكل من خلال ضربات تأتي على شكل مربعات تكون الشبابيك، بينما الخطوط الطولية المتقاطعة تبرز طوابق الأبنية الشاهقة، بالإضافة الى اعتمادها مزج الألوان في البناء الواحد لتحدد تفاصيله، لذا نجدها موزعة بين الابيض والازرق والأسود. تبدو الفنانة الفرنسية مأخوذة بفن العمارة، ولكنها تقدمه بأسلوبها الخاص حيث تضع الأبنية الشاهقة في الخلفية، ثم تسكنها بالطبيعة، فتكون ميالة الى التعبير عن أمنياتها أو رؤيتها للمدن التي تعيش فيها، لاسيما انها لم تبدأ رسم اللوحات الا بعد أن مر عليها أكثر من عام وهي تقيم في الإمارات.

كولاج

تجمع أعمال روش بين الكلاسيكي والحديث في فنها، فنجدها تعتمد على كلاسيكية رسم الطبيعة، بينما يظهر وجه الحداثة في عملها من خلال الكولاج. تجمع روش في لوحاتها التي تستخدم فيها الألوان الزيتية، الصور التي تنطلق منها والتي قد تزيد في العمل الواحد لتصل الى صورتين، بالاضافة الى الاقمشة المطرزة بالورود والتي تقصها ثم تلصقها على الكانفاس، وترسم عليها بالألوان لتدخل من خلال نسيجها أشكالاً جديدة من الزهور تختلف عن أشكال زهورها الزيتية. هذا الجمع بين المواد يشكل جمعاً لتفاصيل الحياة التي تحيط بالبشر، فهنا تتعدى الفنانة الفرنسية المادة وتقودنا عبر هذا الكولاج الى فلسفة تفاصيل الحياة وكيف يمكننا ان نجمع من خلال تركيبات نبتكرها حياة جديدة مختلفة.

هذه الأماكن التي ترصدها روش من خلال المعرض الذي يستمر حتى ‬28 الشهر الجاري، تحمل الكثير من الذكريات، فالفنانة تقوم بعملية اعادة بناء للأماكن، فالتصوير الذي تعتمده يأخذ منحى إعادة ترتيب وتشكيل الذاكرة، وكذلك تعتبر عملية رمزية لنوع آخر من الحقيقة في العمل، الأمر الذي يجعلها تُكسب عملها واقعية وصدقية مختلفة، ولكنها واقعية مستمدة من التصوير وتستكمل مع اللون. وانتقلت روش للعيش في أبوظبي منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وقد بدأت بالعمل على معرضها منذ عامين، الأمر الذي يبرز شغفها بالمدن، حيث كانت هذه الفترة كافية بالنسبة لها كي تقدم مدينتي دبي وأبوظبي في لوحاتها، اذ يبدو كأنها ترصد وتدون ملاحظاتها عن المدن لتعود وتقدمها بأسلوبها الخاص، حيث سبق وقدمت مدينة باريس في أعمالها في معرض سابق أقيم في بلدها فرنسا. وإن التشابه بين المدن التي ترصدها أو تشكلها روش في اعمالها يقوم على الحركة المتواصلة أو عدم التوقف، فالمدن التي تنتقيها مدن صاخبة وسريعة الايقاع على الرغم من وجود كل الطبيعة التي تضعها، حيث إنه يصعب مقارنة طبيعة هادئة في قرية فرنسية أو سكون صحراء الامارات بالطبيعة التي توجدها روش على الكانفاس.

طباعة