«النمرود» بنكهة فلســطينية
مسرحية «النمرود» لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وعرضت في وقت سابق خلال أيام الشارقة المسرحية، وأدى دور الشخصية الرئيسة (النمرود) الفنان الإماراتي أحمد الجسمي، ومن إخراج المنصف السويسي، كانت بمثابة تحدٍ لفرقة مسرح «ديار» الراقص الفلسطينية التي رأت في المسرحية اعلان احترافيتها وخروجها على الوطن العربي، بما يرفع من شأن المسرح العربي بشكل عام والفلسطيني والراقص بشكل خاص.
كما أطلقت مجموعة ديار اسم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي على مبنى مسرح ديار الراقص، الذي سيكون المساحة الرئيسة التي من خلالها تتم ممارسة المسرح، وقدم رئيس المجموعة اللوحة التي تحمل اسم حاكم الشارقة، والتي يفترض أن توضع على مدخل المسرح، للمستشار الثقافي لحاكم الشارقة محمد ذياب الموسى، ومدير مجموعة مسارح الشارقة محمد حمدان بن جرش.
تحد
| اسم «حاكم الشارقة» على مسرح ديار أعلن رئيس مجموعة ديار الفلسطينية الدكتور متري الراهب، عن إطلاق اسم صاحب السمو حاكم الشارقة على مبنى مسرح ديار الراقص، الذي سيكون المساحة الرئيسة التي من خلالها تتم ممارسة المسرح، وذلك لأن حاكم الشارقة يعد من أوائل الحكام الذين ألفوا نصوصاً مسرحية، كما أنه أول من دعا إلى الثورة الثقافية. وقال لـ«الإمارات اليوم»، إن «مسرح (ديار) الراقص يعد أحد البرامج التي تقدمها المجموعة، على اعتبار ان ديار أكبر مؤسسة ثقافية في فلسطين وتحديداً في بيت لحم، وتتكون المجموعة من مسرح ديار الراقص وكلية دار الكلمة الوحيدة التي تعنى بالشؤون الثقافية، وتقدم برامج الدراسات العليا في الفنون بشكل عام، إضافة إلى ديار الرياضة النسوية». ولفت إلى أن «المجموعة تأسست قبل 17 عاماً في بيت لحم، ولكن نشاطاتها تغطي المنطقة بشكل عام، وتعد مسرحية النمرود ثاني الأعمال التي قدمتها الفرقة، إذ سبقها عمل بعنوان (لوحات خائفة) عالجت من خلالها قضايا الشباب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال». وتابع أن «نص مسرحية النمرود يؤكد على استباق الزمن واستشراف الأحداث الواقعة في الزمن الحالي، ويعكس ما يسمى بالربيع العربي وثورة الشعوب على حكامها، إذ إن الثورة ليست بحمل السلاح إنما بالبعد الثقافي والفكري والوعي الذي بإمكانه القضاء على كل مستويات الجهل والتخلف والبطش». |
جاء التحدي والصعوبة اللتان واجهتهما فرقة «ديار»، أثناء تناولها نص مسرحية النمرود، في ربط النص المسرحي التاريخي بالمسرح الراقص، خصوصاً أن الأخير لا يعد مسرحاً تقليدياً إنما مشاهد معتمدة على مجموعة من اللوحات الراقصة التي تخدم النص وتبرزه، كما حاولت الفرقة الحفاظ على قيمة النص والابتعاد عن الاستخفاف الذي لا يتناسب مع أحداث المسرحية وطبيعة النص الذي يربط بين التاريخ والدين والسياسة.
وتمكن مخرج المسرحية الفلسطيني محمد عواد من تقديم عمل مسرحي بأسلوب إخراجي حديث، استخدم فيه جميع عناصر المسرح واستغل المساحات وتجنب ترك فراغات واضحة على الخشبة، ما عدا تلك التي تخدم العرض، كما وظف الاضاءة المناسبة للعرض وابتعد عن التقليدية في الاستخدام واعتمد على بقعة الضوء والظلال للاستشعار بالزمان والمكان.
إسراف
تجنب المخرج الاسراف في الديكور المسرحي، الأمر الذي عكس بساطة ورقي في العمل، فاعتمد المخرج طوال أحداث المسرحية على صناديق خشبية مستطيلة وصغيرة الحجم في تجسيد كل مكونات الديكور التي تحتاج إليها الفرقة، فمثلاً بواسطة تلك الصناديق صنع الممثلون «برج بابل» الذي أمر به النمرود ليتمكن من الوصول إلى السماء، والتأكد من أن لا رب سواه، وبالصناديق نفسها صنعوا عرشاً للنمرود مرتفعاً ليتمكن الحرس من المراقبة إضافة إلى منبر للخطابة.
كما اعتمد المخرج على البساطة في انتقاء الأزياء، التي استنبطها من الحقبة الزمنية التي تدور حولها أحداث المسرحية التاريخية، إلا أن اختيار الألوان وقوة درجاتها قد يؤخذ على مصمميها، إذ إن ألوان أزياء الراقصين كانت مفعمة بالحيوية والتفاؤل والاستقرار، منها الأزرق والأحمر والأصفر، الأمر الذي يتناقض مع بعض المشاهد التي تصور العبودية التي عاشها الشعب والظلم والاضطهاد، إضافة إلى لحظات الجفاف والقحط والجوع الذي تفشى لديهم.
وركز العمل على توظيف الرقصات بما يتناسب مع أحداث المسرحية، إذ اعتمد الراقصون على تأدية رقصة الدبكة الفلسطينية في مظاهر الاحتفال بمقتل «الضاحك» على يد «النمرود» وهلاك النمرود وجيشه بعد مهاجمة سرب البعوض لهم، كما جسد الراقصون لحظات الثورة والغضب على «النمرود» بالتناغم مع ايقاعات الموسيقى ونواقيس الغضب والعنف، واستخدم الراقصون إيقاعات الضرب على الجسد للتعبير عن خوفهم وتعرضهم للقمع على يد «الضاحك»، ومن بعده «النمرود».
فكرة العرض
قدم المخرج العرض من فكرة البداية في النهاية، إذ بدأ المشهد الأول قبل أن يعلن عن بدأ العرض أصلاً، إذ إن الجنديين كانا على خشبة المسرح والستار مفتوح وهما يراقبان تدفق المتفرجين أثناء دخولهم وجلوسهم على مقاعد مسرح قصر الثقافة، إذ أراد المخرج من هذا الدخول أن يعكس تفاعلية بين المشاهد والممثلين وايصال الشعور بالانتظار والمراقبة عن بعد، وهو المشهد ما قبل الأخير عندما يرسل «النمرود» جنديين ليراقبا ماذا سيحصل عند طلوع الشمس. ويبدأ العرض بمشهد الخوف والتردد والترقب ووصول «الضاحك»، وذلك بدخول الممثلين تدريجياً على ايقاع الضرب على الجسد مع تصاعد رتم الايقاع واكتمال صعود الراقصين على الخشبة، والمميز أن دخول المسرح لم يكن من خلف ستارة ووراء الكواليس فقط إنما دخل الممثلين من بين مقاعد المتفرجين، ومع اكتمال الظهور تفاجئهم إحدى الراقصات بالضحك المتواصل بشكل هستيري، وتقول «وصل الضاحك»، لينقطع مع وصوله الايقاع وتعم فوضى الخوف أرجاء المكان.
رمز الشر
تدور أحداث المسرحية حول النمرود، الذي استطاع القضاء على «الضاحك» بمساعدة شعبه في بابل، إلا انه تمرد عليهم وأراد أن يصبح ملكاً كونه خلصهم من بطش «الضاحك»، ورغم ترددهم فإن النمرود لم يكتف بالملك إنما ادعى الربوبية وأمر كل بابل بالركوع له وعبادته بواسطة السوط الذي قضى به على «الضاحك» والتجبر والتكبر على شعبه. فكما كان الشعب يردد «ثوروا على الضاحك» باتوا يرددون «ثوروا على النمرود»، ولأن الأخير تحدى رب العالمين بتشييده برج بابل ليتمكن من الصعود إلى السماء ليثبت عدم وجود رب سواه وادعائه الألوهية المطلقة، وألا شريك له، وجب عقابه بواسطة حشرة البعوض الصغيرة التي نفذت إلى رأسه وقضت عليه كما قضى أسراب البعوض على جيشه، وفي ذلك درس عظيم لكل متجبر وطاغية بأن العدالة في السماء قادرة على إحقاق الحق وازهاق الباطل.