كشف عن أرقام تعكس تدنّي معايير المعرفة في المجتـمع العربي

أمين عام «الفكر العربي»: تامر حسني تفوّق على نزار والمتنـبي

سليمان عبدالمنعم: هجرة الأدمغة العربية نزيف حقيقي للوطن العربي. تصوير: إريك أرازاس

كشف أمين عام مؤسسة الفكر العربي، الدكتور سليمان عبدالمنعم، أن عمليات البحث التي قام بها العرب في عام 2009 على الإنترنت عن المطرب المصري تامر حسني، ضعف عمليات البحث التي قاموا بها عن نزار قباني والمتنبي ونجيب محفوظ ومحمود درويش مجتمعين، بينما قام العرب، وفقاً للأرقام والمؤشّرات التي تضمنها التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي الشهر الماضي، في مجال تحميل محتويات رقمية على الإنترنت، في عام 2009 بتحميل نحو 43 مليون فيلم وأغنية، في مقابل تحميل ربع مليون كتاب فقط.

مبادرة نهضوية

عن دور مؤسسة الفكر العربي كنموذج لإحدى الأدوات التي تسهم في صياغة المشروع الثقافي العربي، أشار أمين عام المؤسسة، الدكتور سليمان عبدالمنعم، إلى ان فكرة إنشاء المؤسسة انطلقت على يد الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز حين دعا في خطاب ألقاه بمناسبة احتفالية ببيروت عاصمة الثقافة العربية إلى مبادرة تضامنية بين الفكر والمال تتبناها مؤسسة أهلية عربية تستهدف الإسهام في تحقيق النهضة والتضامن العربي. وقد استجاب لدعوته عدد من الموسرين العرب واجتمعوا في القاهرة في يونيو ،2001 وكان إعلان القاهرة الصادر في أعقاب هذا الاجتماع تدشيناً للمؤسسة، موضحا ان المؤسسة تسعى إلى تنمية الاعتزاز بثوابت الأمة وقيمها وهويتها من خلال العديد من الفعاليات والأنشطة، فأصدرت مجلة حوار العرب التي تحولت حالياً إلى برنامج تلفزيوني تستضيفه قناة العربية مرة كل شهر، وهي بصدد أن تتحوّل أيضاً إلى مجلة إلكترونية. وأشار ان الموقع الإلكتروني للمؤسسة يطلق كل شهر استطلاعاً للرأي حول إحدى القضايا الفكرية التي تهم المجتمع العربي، وكان استطلاع هذا الشهر حول قضية استخدام الفصحى والعامية في حياتنا اليومية.

ولفت عبدالمنعم إلى أن هذه الأرقام تعكس احد مظاهر تدني معايير المعرفة في المجتمع العربي، بالمقارنة ليس فقط مع دول غربية متقدمة، بل أيضاً مع دول أخرى كانت حتى 20 أو 30 عاماً تماثلنا في الظروف ومستوى التنمية، ما يشير إلى حاجة فكرية بالغة الأهمية في العالم العربي الى المشروع الثقافي المنشود. واستعرض أمين عام مؤسسة الفكر العربي المزيد من مظاهر تراجع الواقع العلمي والمعرفي في العالم العربي، موضحاً أن هناك براءة اختراع واحدة لكل 694 ألف عربي، بينما تسجل براءة اختراع واحدة لكل 46 ألف ماليزي، أي ان معدل الإبداع في ماليزيا يزيد 15 مرة على معدل الإبداع في الدول العربية مجتمعةً. بينما بلغ متوسط نسبة الإنفاق العام على التعليم في الموازنات السنوية في الدول العربية 5٪ من الميزانية، بينما بلغ في الدانمارك 8.5٪، وماليزيا 8.1٪.

كتب الطبخ.. متصدّرة

في المجال الثقافي أشار عبدالمنعم خلال المحاضرة التي نظمتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، مساء أول من أمس، في المسرح الوطني، إلى ان عدد إصدارات الكتب سنوياً في الدول العربية 17 ألفاً و162 كتاباً، وفي إسبانيا 60 ألفاً و،267 وألمانيا 90 ألفاً، والصين 110 آلاف و،283 وكوريا الجنوبية 36 ألفاً و،186 وجنوب إفريقيا 6592 كتاباً. بينما اتسمت المؤشرات التي يتضمنها التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، حول اهتمامات العرب الثقافية على الانترنت، بالإثارة، بحسب ما ذكر، إذ تكشف عن دلالات لا تخطئها العين.

وتابع «بينما تحتل كتب الطبخ التي يتواصل معها العرب على الإنترنت مركز الصدارة بنسبة 23٪ من إجمالي كل أنواع الكتب الأخرى، فإن المتنبي مازال هو أحد أكثر الشعراء العرب المطلوبين على الانترنت، إذ يأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد نزار قباني، أما الكتب التي حقّقت أكثر معدل بحث على الإنترنت في العام ،2009 فيتصدرها كتاب صحيح البخاري، ثم لسان العرب، فرياض الصالحين، وصحيح مسلم، ونهج البلاغة، وفقه السنة، وبلغ معدل البحث على الإنترنت عن الثقافة الإسلامية 8270 عملية بحث شهرياً، والبحث عن الثقافة العلمية ،3620 والتعليم ،2880 والطبيعة ،2620 والتربية ،1980 والسياسة 1900».

تراجع

على صعيد المشهد السينمائي، قال عبدالمنعم ان ضعف الإنتاج السينمائي في الوطن العربي مازال هو الملاحظة الأبرز؛ إذ تسيطر السينما الأجنبية عموماً والسينما الأميركية على وجه الخصوص على سوق الأفلام المعروضة في الدول العربية. فالسينما الأميركية والهندية والأوروبية تستأثر بنسبة 87٪ من إجمالي الأفلام السينمائية المعروضة في العالم العربي، بينما لا تمثّل السينما العربية سوى 11٪ (منها 8٪ للسينما المصرية) و2٪ لسينما البلدان الأخرى. وبالعودة إلى مجال الإنترنت؛ استعرض المحاضر إحصاءات حديثة تظهر تدنّي محتوى الإنترنت من الصفحات باّللغة العربية التي لا تتجاوز نسبتها الواحد في الألف من تعداد الصفحات الإجمالي على الشبكة العنقودية. لكن ما يبعث على التفاؤل هو التزايد الملحوظ في عدد مستخدمي اللغة العربية على الإنترنت، وهو الأعلى من مجموعة الّلغات العشر الأولى على الشبكة، والذي بلغ 2300٪ خلال الفترة 2000 - .2009 واستطرد «مازالت هناك تحديّات كبيرة تعيق توظيف التقنية الرقمية في التعامل مع الّلغة العربية، مثل التلكؤ في اعتماد رموز موحّدة للحروف العربية والالتزام الدقيق بحركاتها، إذ لم يتسنّ للدول العربية منذ ستينات القرن الماضي تبنّي رموز موحدة لحروف العربية وحركاتها تمهّد لتعامل تقنية المعلومات مع الّلغة العربية ونصوصها بصورة مجدية. كما لا يوجد نظام للإعراب الآلي، والنظم المستخدمة حالياً تعتمد على تخزين أنماط الخطأ النحوي على صورة سلاسل من الكلمات المتعاقبة. أما على صعيد محركات البحث مثل «غوغل» فهو لا يراعي الخصائص البنيوية للكلمة العربية؛ كما لا تخلو برامج الترجمة الآلية من وإلى اللغة العربية من صعوبات. الأمر كلّه يكشف في ظلّ هذا الواقع حاجة عربية ملحّة الى دعم جهود تطوير استخدام اللّغة العربية على الإنترنت.

نزيف

وفي تطرقه إلى واقع البحث العلمي في دول الوطن العربي، اشار المحاضر إلى ان تصدّر قضية هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج للمشهد، إذ تمثّل نزيفاً حقيقياً في العقل العربي. فالأرقام تظهر أن 54٪ من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلادهم، وأن 34٪ من الأطباء الأكفاء في بريطانيا ينتمون إلى الجاليات العربية، وأن مصر وحدها قدمت في السنوات الأخيرة نحو 60٪ من العلميين العرب والمهندسين في الولايات المتّحدة الأميركية. كما شهد العراق هجرة نحو 7300 عالم تركوا بلدهم بسبب الأحوال السياسية والأمنية. وإجمالاً فإنه منذ عام 1977 وحتى الآن هاجر أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى أميركا. في ظل هذه الأوضاع الخاصة بواقع المعرفة، أكد عبدالمنعم أن حاجة العرب إلى ترسيخ وإعلاء قيمة المعرفة تزداد، على ان تسعى هذه الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم التقدم الإنساني المعاصر التي بسببها تقدمت أمم وتقهقرت أخرى وهي: المعرفة، والمنهج النقدي، والحرية، وكفالة حقوق الإنسان، موضحاً أن المشروع الثقافي العربي المأمول يجب ان يتضمن مجموعة من الأسس النظرية الأكثر أهمية وإلحاحاً في الحاضر العربي، ربما لأن غيابها أصبح يمثل إشكالية حقيقية، وعائقاً يحول دون توظيف الثروات البشرية والطبيعية إلى مردود تنموي وعائد سياسي.

طباعة