يخطط لاحتفالية كبيرة في الذكرى الـ 1100 على ميلاد الشاعر

السويدي: المتنبي طَـوْق نجـاة للغة العربية

محمد السويدي: أدب الرحلة أبقى أنواع الأدب والفنون.. وأكثرها قدرة على عبور الزمن. الإمارات اليوم

من الصعب أن تتوقع ما يمكن أن يفاجئك به الشاعر محمد أحمد السويدي، فالحديث معه عن الثقافة مثل بحر بلا شطآن، أفكار تتلاحق ومشروعات لا تنتهي، ورحلات في الفكر والثقافة والجغرافيا. وفي خضم هذا الحراك، يؤكد السويدي مؤسس مشروع «ارتياد الآفاق» للرحلات الجغرافية، أن «المتنبي يمثل طوق نجاة للغة العربية»، مضيفا أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل الثقافي، لا سبيل إلى اليأس لديه، «نحن عابرون في الزمان، بعضنا يترك أثراً ومعظمنا يزول من دون أثر واضح». وقال إن «السبيل الوحيدة للارتقاء بالمعرفة هي إشراك الحواس الخمس في تلقي المعلومة، وهذا الحل القادر على إنقاذ منظومة التعليم العربي من اختلالاتها».

في الاتجاه نفسه؛ يجد المتابع لباقة المشروعات الثقافية النوعية التي يرعاها الشاعر الإماراتي عبر مؤسسته «دارة السويدي الثقافية» في أبوظبي، أنها لَبِناتٌ لبناء مؤسسي يتوسع دائماً لتحقيق مجموعة أهداف أكثر شمولية واتساعا. وكشف السويدي، في الجزء الأول من حوار لـ«الإمارات اليوم»، أن موسوعة الشعر العربي التي أطلقها منذ سنوات، وتعد أول موسوعة متكاملة للشعر العربي، لم تنته كما يعتقد البعض، موضحا أن «الأجزاء الثلاثة التي صدرت من الموسوعة الشعرية لم تكن سوى قاعدة للانطلاق، وقد قمنا لاحقا بتدشين الامتداد العمودي الأول على هذه القاعدة وهو (واحة المتنبي)، التي يمكن أن نسميها بداية الموسوعة». وأوضح أن المرحلة الثانية لكيفية تقديم الشعر العربي هي الشروع في البناء العمودي، عبر إضافة مفاتيح جديدة من شأنها أن تيسر للباحث والمهتم إمكانات حديثة، ومن بينها مفاتيح المفردة والجغرافيا والشروح والأنساب والنباتات والأصوات، مترافقة مع صورة أو تسجيل فيديو للقصائد.

المتنبي

العلاقة الفريدة التي جمعته بالمتنبي، على الرغم من التباعد الزمني بينهما، لم تكن غائبة عن الحوار، هذه العلاقة التي أرجعها السويدي إلى ايمانه بأن «المتنبي هو طوق النجاة للغة العربية»؛ موضحا أن «عشقي الأول هو اللغة العربية، وقلقي عليها من الاضمحلال كان السبب في الالتفاف حول هذا الشاعر، فاللغة العربية كالسفينة التي ارتطمت بصخور العصر فتحطمت وتشظّت، والمتنبي هو أحد أطواق نجاتها»، مشيرا إلى أن المتنبي مثل العظماء شكسبير وغوته وحافظ وهومر وفيرجيل، فهو شاعر يعاد اكتشافه على مر العصور، ضمّن ديوانه صورتَه الشخصية، وصورةَ عصره بدقة فنية وتعبيرية وجمالية قل نظيرها.

وكشف السويدي أنه يعمل في الفترة الحالية مع فريقه على إعداد احتفالية مئوية كبيرة تليق بمكانة المتنبي يتم إطلاقها في سنة ،2015 وهي السنة التي تصادف ذكرى مرور 1100 عام على ولادته، فقد ولد في 915 ميلادية، مشيرا الى ان الاحتفالية تتضمن تدشين الإصدار الثالث من «واحة المتنبي»، بالإضافة إلى عمل موسيقي ضخم، وإصدارات جديدة ومعارض فنية وفعاليات أخرى.

واعتبر أدب الرحلة الذي يستحوذ على جانب كبير من اهتمامه «من أبقى أنواع الأدب والفنون وأكثرها قدرة على الحضور وعبور الزمن، فهو فن جامع للفنون كلها بما فيها السينما، وهو فن تتخاطب من خلاله البشرية بأزهى ما في خطاباتها من نوازع وميول إنسانية عميقة، ومن حب لمعرفة الآخر، والاغتناء بغناه الحضاري، والتواصل معه على أرض الفكرة الواحدة والأفكار المختلفة».

غوته

الضجيج يذهب هباء

قال الشاعر محمد أحمد السويدي إن رحلته الى ايطاليا علمته الكثير، «علمتني إيطاليا أن الكولسيوم هو مبنى يرمز إلى عظمة المهندسين الذين بنوا الإمبراطورية الرومانية أو عظمة الهندسة، وأن فيفالدي البندقي ـ الذي صار نسياً منسياً بعد حياة صاخبة في البندقية لينتهي في فيينا نكرةً ليس لقبره سبيل ـ تعد فصوله الأربعة أعلى الأسطوانات مبيعاً في العالم». وأضاف «علمني ليوناردو دافنشي في مخطوطاته (الكودكس أتلانتا)، أن على العالم أن ينتظر أربعة قرون ليفهم تلك الرسوم والهوامش والتعليقات المكتوبة بطريقة معكوسة ومقلوبة عُرفت بشفرة دافنشي، وعلمتني إيطاليا أن الضجيج يذهب هباء، وما ينفع الناس ثقافة أو فناً أو علماً يبقى في الأرض، يقال إن دافنشي أفاق ذات ليلة فرأى العالم، بينما أفاقت البشرية في الصباح التالي، حيث كان على البشرية انتظار الصباح حتى تُفيق».

حول دوافع رحلته الى ايطاليا، قال الشاعر السويدي «بدأت رحلتي إلى إيطاليا بفكرة ملكت عليّ جميع الحواس، إذ حرضني ذلك برج العذراء (الشاعر الألماني الكبير غوته من مواليد هذا البرج)، على تعقب خطاه في رحلته إلى إيطاليا التي بدأها عام ،1786 ودوّنها في عمله العظيم (رحلة إلى ايطاليا) وكانت زيارتي إلى إيطاليا عام ،2005 لأكتب مقالة بعنوان (هكذا حدثني غوته)، وهي مقالة رويت خلالها تجربتي في تعقب الشاعر بالعاصمة الإيطالية روما التي أحبها كثيراً». وفي ايطاليا انتهز السويدي الفرصة لزيارة «سلمونة» مسقط رأس أوفيد شاعر روما الكبير، وكانت مقالة السويدي بذرة أولى لشجرة رحلته إلى إيطاليا، والتي يواصل تدوينها.

في رحلة سبتمبر ،2007 التي سماها وقتئذ «آلهة الأوليمب»، وبدأها بباريس «بطل طروادة» مروراً بآنسي، ثم شومونيه، نزولاً إلى ميلانو مدينة دافنشي ولودفيكو سفورزا، ومنها إلى بحيرة كومو مروراً بفيرونا روميو وجولييت، إلى بحيرة غاردا، حيث المتحف الذي أقيم تكريماً للشاعر غوته، ثم إلى البندقية.

ومن الشمال الإيطالي نزولاً إلى الجنوب، الريفيرا الإيطالية، كيانتي، بولونا، فلورنسا، بيزا، جنوه، ورصد السويدي في 40 مدينة وقرية أرواح الشعراء والفنانين والعلماء والمفكرين الذين صنعوا من هذا «الحذاء السحري» الإمبراطورية الرومانية العظيمة وعصر النهضة العظيم، شاحذا الحواس الخمس لاستقبال هذه المدن بكل ما تزخر به من معارف في المعمار والموسيقى والتاريخ والآداب والعلوم والتشكيل والمائدة والعطور والأزياء.

استمرت الرحلة ما يربو على الشهرين، وقد شرع السويدي منذ دخوله إيطاليا في رسم خريطة لمشروعه عبر تسجيل ملاحظاته ويومياته، استعداداً لكتابة أكثر هدوءاً وتمعناً لدى عودته إلى الوطن. وقال «خلال الرحلة كان رفيقي عدداً من الكتب المهمة، في مقدمتها إلياذة هوميروس، وتحولات أوفيد، وقصة الحضارة لوول ديورانت، وعدداً من الأدلة عن المدن الإيطالية، وكنت أحرص على اقتناء كل ما يمكنني من كتب أو وسائل سمعية وبصرية في هذا الشأن، حتى أنني عدت بمكتبة زاخرة، شرعت فوراً في قراءتها ومطالعتها بشكل متأنٍ لتساعدني على إعادة صياغة رحلتي الخاصة».

الكبار

في رحلته، لم يكن الشاعر الإماراتي يسعى للكتابة في أدب الرحلات بالشكل المعتاد، اذ كان مأخوذا بفكرة إقامة حوار مع كبار المفكرين الذين يتتبع خطواتهم، وبقدر الاختلاف في الرؤية والهدف، بقدر ما كان التحول الذي يصفه السويدي قائلا: «لقد تحولت في هذه الرحلة تحولاً كبيراً، فلست الرجل الذي ذهب أبداً، لقد ألهمني دافنشي وتلك الصحبة من المبدعين شكلاً جديداً في كتابة أدب الرحلة، أستطيع من خلاله أن أقدم بين يدي القارئ معرفة بانورامية، لا ليستقبلها نصوصاً جامدة»، موضحا أنه في ميلانو يحدث القارئ عن فيردي والغرفة 106 التي شغلها في فندق غراند دي ميلانو، وعن ساعاته الأخيرة فيها، كما يحدثه عن مسرح اللاسكالا ومتحفه، وعن دافنشي الذي دخل المدينة في عقده الثالث من العمر، ورسالته الشهيرة إلى الأمير لودفيكو، والنهاية التراجيدية لهذا الأمير، وعن لوحة العشاء الأخير في قاعة الطعام في مبنى كنيسة «سانتا ماريا دل غرادسي»، والسنوات الثلاث التي قضاها الفنان لإنجاز عمل قُدر له أن يكون أعظم عمل أنتجه عصر النهضة. وعبر السويدي عن رغبته في ألا يقتصر هذا التفاعل مع القارئ حول الرحلة على الشكل الورقي فقط، «أريد أن أجرب أشكالاً عدة، فالكتاب الورقي لا شك مهم، ولكنها أيضاً ستكون على موقع الإنترنت، وقد يقدر لي أن أقيم معرضاً لهذا المشروع في أكثر من عاصمة».

طباعة