كاتب شارك بنصين لدولتين.. وعروض أقرب إلى القصة القصيرة

النص الرديء.. أزمة المسرح الخليجي

الإخراج والسينوغرافيا.. حلول متعددة للتغلب على واقع «النص الرديء». الإمارات اليوم

لم يعرف المسرح الخليجي أزمة في ندرة النصوص الجيدة كتلك التي يعيشها الآن، وهو أمر تجلى بوضوح على خشبة مسرح قطر الوطني الذي استضاف الدورة الحادية عشرة لمهرجان المسرح الخليجي التي اختتمت الأسبوع الماضي، خصوصاً في ما يتعلق بضعف نصوص أشار إليها نقاد ومتابعون، وصلت إلى حد اعتماد القصص الدرامية لبعضها على تقنيات أقرب إلى القصص القصيرة. ولا تخلو توصيات لجان التحكيم في المهرجانات الخليجية على اختلافها من إشارات إلى ضرورة الاهتمام بالنصوص، والحث على ورش متخصصة في هذا الجانب، لتصبح «توصية مكررة» منذ سنوات عديدة، غير ملموسة الأثر في واقع المسرح الخليجي.

وكانت لافتةً في المهرجان مشاركة كاتب واحد بعملين مختلفين، هو رئيس جمعية المسرحيين في الدولة إسماعيل عبدالله في نصين مسرحيين، هما «السلوقي» الذي شاركت به الإمارات، و«مجاريح» الذي شاركت به قطر. وكان نص «مجاريح» تمت الاستعانة به أول مرة عام 2007 عبر المسرحية التي حملت الاسم نفسه، وأخرجها ناجي الحاي للمشاركة في أيام الشارقة المسرحية، ولعب دور البطولة الرئيسة فيها الفنان سعيد سالم، ما يعني أن ندرة النصوص دفعت بالدولة المنظمة للمهرجان إلى الاستعانة بنص لكاتب غير قطري، فضلاً عن أن هذا النص سبق عرضه منذ ثلاث سنوات. وحتى عندما عرض العمل في العرض الافتتاحي تبين أن هناك قدراً غير قليل من عدم الاكتراث بالنص الأصلي أصاب العمل القديم الجديد، لمصلحة تخصيص مساحة أوسع لحضور الموضوعات التراثية، خصوصاً الغنائية منها، وهو أمر لم يكن مرحباً به قطعاً لدى كاتبه إسماعيل عبدالله.

قصص عالمية

هجرة إلى التلفزيون

شهدت السنوات القليلة الماضية غياب نجوم خليجيين عن خشبة المسرح، وهجرتهم إلى الدراما التلفزيونية على حساب «أبوالفنون» الذي كان شرارة شهرتهم وانتشارهم الأولى.

الفنان الإماراتي جابر نغموش قال لـ«الإمارات اليوم» خلال مهرجان المسرح الخليجي في قطر، إن «النص الجيد الذي يغري الكبار للعودة إلى الخشبة لايزال غائباً».

وقال الفنان القطري عبدالعزيز الجاسم، إن «البحث عن نص جيد يحتاج إلى وقت أوسع أحياناً من ذلك الذي تحتاجه التمارين المسرحية واستيعاب النص وورش العمل مع المخرج، وهو أمر أصاب كثيرين من جيلي بالإحباط، والاستسلام الى الغياب عن الخشبة».

الشح الملحوظ في وجود نصوص جيدة أيضاً يفسر حالة اللجوء إلى معالجات من قصص عالمية، على تفاوت قدرة الكاتب في التعامل مع مجتمعه وثقافته الخاصة من نافذة نص عالمي على النحو الذي ظهر أيضاً في مسرحية «السلوقي»، المستوحاة من الرواية الروسية الشهيرة «قلب كلب». ورغم إصرار الكاتب على إضفاء ملامح ثقافته الخاصة، بدءاً من العنوان المتعلق بكلب الصيد الذي كان له حضور في حياة المجتمع الإماراتي قبل ظهور النفط، فإن وجود المسرحية المستوحاة، وتكرر وجود هذا النمط في العديد من المهرجانات الخليجية، بما فيها المحلية مثل نص طلال محمود الأخير «راح ملح»، الذي استفاد عبره من رائعة الإيطالي بيرانديللو «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» في مهرجان مسرح الشباب، يؤكد أن عدم توافر النص الجيد أحد المعوقات الأساسية للخشبة الخليجية.

تعويض

كشفت المسرحية السعودية «البندقية» في ثالث أيام مهرجان المسرح الخليجي تلك الإشكالية أيضاً، بل إن كثيراً من النقاد والمسرحيين اعتبروا النص أقرب في حبكته الدرامية وأدواته إلى أسلوب القصة القصيرة، ما جعل السينوغرافيا والأداء يعوضان فقر النص، ليغدوا سر متعة الفرجة التي جلبتها «البندقية».

وقوبل المخرج سلطان النوة بتقدير كبير من النقاد المسرحيين، جعلته يستشرفون فيه مخرجاً مهماً رغم حداثة تجربته، خصوصاً في حال توافر النص الجيد.

في هذا الإطار، قال الناقد المسرحي القطري حسن حسين، إن «إشكاليات ندرة النص الجيد تعد حالياً أهم التحديات أمام المسرح الخليجي»، مشيراً إلى أن الأمر ليس بعيداً عن حقيقة كون الفنون المسرحية نتاجاً لثقافة أوروبية أخذت مرحلة طويلة كي تتحول إلى فن يتم التعاطي معه إبداعياً وجماهيرياً.

من جانبه، اعتبر مدير إدارة المسرح في وزارة الثقافة السعودية، عبدالرحمن الرقراق، أن «النص الجيد هو أساس أي عمل مسرحي ناجح»، معتبراً الحلول والرؤى الإخراجية وقدرات الممثلين والسينوغرافيا، كلها عوامل تظل غير ملموسة الإبداع في حال افتقاد النص الجيد. لكنه رفض انسحاب الأمر على المسرحية السعودية المشاركة «البندقية»، باعتبارها نموذجاً لتغلب جماليات الإخراج وأداء الممثلين.

وأضاف أن «رد فعل الجمهور والنقاد المتجاوب مع (البندقية) يشير إلى أنها ليست بعيدة عن عمل يقترب إلى التكامل، بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق على معايير جودة النصوص المسرحية».

الكاتب السعودي فراج الشيخ الفرازي، كان أكثر المندهشين من نص «البندقية»، وأشد المعجبين في الوقت ذاته بقدرة مخرج العمل على التعامل مع نص يفتقر إلى تقنيات الكتابة المسرحية. وقال «جاءت المسرحية أقرب في نصها إلى قصة قصيرة، ما زاد من صعوبة التعامل المسرحي معها بتقسيمها إلى أربع لوحات رئيسة لا تواصل تقريباً بينها، وهو الأمر الذي يشكل صعوبة كبيرة للمخرج، وأيضاً الممثلين، الذين حافظوا رغم ذلك على جماليات العمل المسرحي، وسينوغرافيا تم توظيفها بدقة لخدمة العرض، وهو أمر بالتأكيد كان سيغدو أكثر جدوى في حال كان النص مستجيباً لتقنيات الكتابة المسرحية».

المسرحية الكويتية «تاتانيا» لجأ كاتبها بدر محارب إلى فضاءات مختلفة فرضت تعاملاً إخراجياً استثنائياً أيضاً من عبدالعزيز صفر، حسب الناقد المسرحي حمدان الحمدان، الذي أكد أن هناك تباينات كبيرة في آليات إبداع النصوص المسرحية ستفرز نماذج جديدة في الإبداع المسرحي، معتبراً نص «تاتانيا» الكويتي «قلقاً ومقلقاً وذا فضاءات شديدة الانغلاق، تمكن مخرج العمل، رغم ذلك من معالجتها بحرفية».

طباعة