جمال ناجي: أتمنى أن تكتب رواياتي نفسها - الإمارات اليوم

جمال ناجي: أتمنى أن تكتب رواياتي نفسها

جمال ناجي: ليس أكثر إفلاساً من الإفراط في إدراج الوثائق ضمن العمل الروائي.             أرشيفية

يرى الروائي الأردني جمال ناجي أن مشروعه الروائي لا يتمثل بوجود هندسات وخطط جاهزة، وأنه قائم على بلاغة التنوع والاختلاف غير الممنهج، مضيفاً أن ولاءه الوحيد هو للإبداع وليس للخطط المسبقة التي لا تخلق إبداعاً.

ناجي الذي التقته «الإمارات اليوم» أخيراً على هامش حفل توقيع روايته الأخيرة «عندما تشيخ الذئاب»، في مكتبة الديوان في القاهرة، بحضور كتاب مصريين وعرب، وقبيل ندوة نظمها إتيليه القاهرة للكتاب والفنانين لمناقشة تجربة ناجي الإبداعية في الرواية والقصة القصيرة، تحدث عن المفاصل المهمة في تجربته الروائية والقصصية بشكل عام. وفي رواية «عندما تشيخ الذئاب«بشكل خاص، بعد الجدل الذي أثارته في عمان، والاحتفاء العربي النقدي الواسع بها، حيث استقبلتها الأوساط الأدبية والثقافية باهتمام كبير، لتناولها قضايا خطيرة حول التحولات التي أصابت المجتمع الأردني في العقدين الأخيرين، وكواليس صناعة السياسة وتشكيل الحكومات، وهو الأمر الذي أثار صدمة لدى القارئ الذي كشفت له الرواية غرائب صناعة القرار السياسي بشكل مدهش، حيث تنحو الرواية إلى تحليل ظواهر الحياة وتفاصيل السلوك الإنساني في جوانبه النفسية والروحية والسياسية والاجتماعية، وما يرافق هذه التفاصيل من تعقيدات وغرائب يعيشها العقل البشري الذي يتنكر للجانب القيمي، ويحيل الإنسان إلى كائن لاهث وراء متطلبات الحياة المعاصرة، كما ترصد التفاعلات النفسية لشخوصها وتحولاتهم الفكرية والذهنية التي قادت بعضهم إلى نهايات مأساوية.

ورداً على مقولة بعض النقاد من أن روايته الأخيرة شهدت تطوراً في «التكنيك الروائي» وفنون السرد، لكنها استندت إلى قدرات الأبطال واجتهاداتهم الحكائية، بما يشبه أن الرواية كتبت ذاتها، قال ناجي «أتمنى أن أصل إلى هذه المرحلة في كتابتي الروائية، أن تكتب الرواية نفسها، لأن في هذا إقرارا بكف يد الكاتب عن التدخل في الشؤون الداخلية للرواية، واعترافا بالحرية الكاملة لنمو وتطور الشخصيات الروائية»، مشيرا أن أبطال الرواية «قاموا بأدوارهم التي توقعتها منهم بشكل يدعو إلى الرضا، على الأقل من جانبي، وهذه فكرة ممتازة، أن تتحاور الشخصيات وتتنازع الأدوار وتتصارع وتتناقض ويدين بعضها بعضاً وتدافع عن نفسها، فهذا يعني أنها تمارس الحياة بكفاءة وترفض أن تكون مجرد دمى يحركها الروائي بأصابعه.

الجمالي والفني

ورداً على سؤاله إن كان يرى في الرواية مشروعا ينبغي ان يعتني بالتسجيل والتوثيق كأولوية على حساب الجمالي والفني والمتخيل، نفى الروائي الأردني ذلك، مؤكدا ان «الجانب الفني هو أهم ما في الرواية، وما المتخيل والجمالي والسردي إلا عناوين فرعية تندرج تحت لافتة الفني» . مستدركا أن «الرواية المعاصرة تعنى بالتوثيق الذي تتطلبه أحداثها، فهذا التوثيق ليس بديلا للجماليات أو سواها»، واصفا اياه بإنه «مادة يقوم الروائي بتوظيفها لخدمة أحداث روايته، ومن غير المقبول أن يتحول التوثيق إلى تسجيل في سياق النص الإبداعي بصيغته المعلوماتية البكر»، فلا شيء أكثر إفلاسا حسب ناجي، من الإفراط في إدراج الوثائق ضمن العمل الروائي، ذلك «لأن الثرثرات الوثائقية تملأ ملايين الصفحات والكتب، وهي في كل الأحوال تنتمي إلى عالم المعلوماتية لا إلى عالم الابداع».

ناجي الذي تطرق في مشروعه الروائي لحيوات مختلفة، الاغتراب والمعاناة في المنافي في «الطريق الى بلحارث» ومكائد الطبقة الوسطى في «وقت» وحياة الغجر في «مخلفات الزوابع الأخيرة» وعالم المال والأعمال في روايتيه «الحياة على ذمة الموت، وليلة الريش»، قال إنه إذا كان ثمة ضرورة للحديث عن مشروع روائي فهو يتمثل في عدم وجود هندسات وخطط جاهزة، فهو قائم على بلاغة التنوع والاختلاف غير الممنهج، مضيفا ان ولاءه هو للإبداع وليس للخطط المسبقة التي لا تخلق إبداعا، بل انها تحاول تحقيب هذا الإبداع وتسييره وفقا لخطط تعد تدخلا في المسار الروائي العام، مشيرا «أننا بحاجة إلى تحرير الإبداع من «المشاريعية» التي تشبه الأخطاء الشائعة أو المتوارثة»، مستدركا أن «هذا لا يعني تكريس الفوضى على حساب التنظيم، إنما هو إقرار بحرية وبقدرة الرواية على الاستجابة للأحداث والتحولات في الوقت المناسب».

«الذئاب».. ثانيةً من عمّان والقاهرة

يستعد الروائي جمال ناجي لإصدار روايته الأخيرة «عندما تشيخ الذئاب» في طبعة ثانية بعد نفاد نسخها، حيث ستصدر الطبعة الجديدة في عمان والقاهرة بالتزامن. وكانت الرواية أثارت ردود فعل واسعة في الأوساط الثقافية والإعلامية، ومنها: جريدة العرب اللندنية: «المكان في هذه الرواية يشهد الكثير من الأحداث الطاردة التي تضطر الشخوص إلى البحث عن بدائل تؤدي إلى تغيير مسارات حياتها». مجلة روز اليوسف المصرية: «ما يمكن تسميته شيخوخة الأفكار والعواطف والقناعات، ربما أدى هذا إلى تخلق رغبة دفينة لدى الذئاب البشرية بتجميد الزمان ووقف عقارب الساعة من أجل الحفاظ على مكانتها وقوتها وجبروتها». جريدة المدى العراقية: «هذه الرواية تمثل نوعاً من تصفية الحساب مع الحياة». جريدة الحياة اللبنانية: «اللافت في هذه الرواية، هو تمكن الروائي من السيطرة على حكاياته وشخوصه وأحداثه، على رغم تمددها واتساعها وانفتاح مداها». القدس العربي اللندنية: «الرواية تطرح قضايا الحرية الاجتماعية التي تم إهمالها في غمرة الاهتمام بالحرية السياسية ذات البعد الواحد». موقع الجزيرة نت: «تشكل الرواية انعطافة في التجربة الروائية الأردنية بما فيها من دلالات وغوص في الشخصية الإنسانية. مجلة حيفا لنا الثقافية الفلسطينية: «المواجهات بين شخصيات الرواية تتخذ في معظمها سمات الصراع العقلي المستند الى الذكاء المتوقد».

رواة المكان

وحول ما إذا كان الروائيون يصنعون مدنا أم أن المدينة تنجب ثقافتها ورواتها، قال ناجي إن المدينة الأردنية لم تبرز في الأدب في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، «وإذا كان ثمة ظهور خجول لهذا المكان فقد جاء متأخرا، والسبب هو قلم الرقيب الذي أبعد الكتّاب فيما مضى عن تسمية المكان الذي يحمل دلالات سياسية واجتماعية قد تتنافى مع المحاذير التقليدية». مضيفا أن «الكتاب اختزنوا عمّان في ذاكراتهم، على الرغم من أن أيديهم كانت مرفوعة إلى الجدران وممنوعة من بناء علاقات أدبية وطيدة مع الشوارع والحواري والقرى والمخيمات والبوادي، إذ إن مجرد ورودها في رواية أو قصيدة أو قصة، كان كفيلا بإيقاظ الأحاسيس الاستثنائية لدى الرقيب، الذي سرعان ما يشطب ويفسر ويقيس ثم يتخذ قراره بإعدام المكان وشطبه من الروايات والقصص والأشعار، ولقد اضطر الكتّاب إلى البحث عن بدائل أخرى، كي يتمكنوا من تحرير افكارهم، بمنأى عن الرقيب الذي كان دائم التحفز».

ورأى ناجي ان «الكاتب يستطيع اختراع الأمكنة وتلوينها وبث الحياة فيها، لكنه لا يستطيع تجنب الخلط بين اماكن الواقع، وبين تلك التي ابتكرها، والأنكى ان الامكنة الغريبة التي تهبط في احلام الكاتب، تختلط ايضا في الذاكرة الثلاثية المكونة من: امكنة ارضية واقعية، واخرى تم اختراعها في الأعمال الروائية او القصصية، وثالثة عبرت الاحلام!

وأضاف ناجي ان هذا السؤال يتم التعامل معه من منظور جدلي، «فالمدينة ترفد الكاتب بالخبرات والتجارب وتقدم له كل تفاصيلها كي يضعها في معمله الإبداعي الذي يقدمها بصورة أدبية مبتكرة ومختلفة عن جمود التسجيل، إنه يتيح المجال لإعادة إنتاج الوقائع والنظر إليها من زوايا جديدة لم تكن في وارد من يعيشون فيها ، وهو بهذا يسهم في صناعة المدينة أدبيا».

وظيفة الكاتب

وحول مفهومه لوظيفة الكاتب، وما ينتظر منه المجتمع، قال ناجي انه من غير الممكن أن نكرر الآن ما تداولته الأجيال السابقة من أن الكاتب هو قائد في مجتمعه، فالقيادة تنطوي على الكثير من الضوابط التي لا يستطيع الكاتب الالتزام بها، والقيادة تصادر حرية الكاتب الشخصية والإبداعية، وترغمه على الالتزام بقضايا قد تتنافى مع اختياراته الحرة، فضلاً عن أن المجتمعات ملت هذه الفكرة وهي ليست بحاجة إلى مزيد من القادة بعد تجاربها المريرة مع القيادات التي أوصلتها إلى هزائم نعرفها جميعا، موضحا ان «الكاتب معني بخطاب الأدب ومحمولاته الفكرية والسياسية والاجتماعية وسواها، وما يكتبه ليس سوى نتاج إبداعي لتجاربه وثقافته وأفكاره التي تتأثر بالبيئة التي تحيط بالكاتب»، حيث آن الأوان حسب رأي الكاتب الأردني لأن يضطلع الأدب بدوره حيال الحرية الاجتماعية التي أغفلها في غمرة انشغاله بالحرية السياسية ذات البعد الواحد، مضيفا ان هذا لا يعني التنكر للحرية بمفهومها السياسي، انما هو صيغة تقترح شكلا جديدا من المعالجة التي تفضي في نهاية الامر الى مؤازرة الحرية السياسية، لكن دون الانقياد لها أو اقتفاء أثرها.

وحول انسحاب فلسطين من الأدب الجديد، كقضية مركزية للعرب، يرى الروائي الأردني ان الأدب العربي الآن يبتعد عن القضـــية الفلسطينية، بدلـــيل أنها لم تعد هماً أساسياً في الكــتابات الجديدة التي اســتعاضت عنها بالقـضايا المحلية، وبفنون الإثارة، وجني الشهرة عن طريق المساس المبــتذل بالمحرمــات، من دون أن يكون لهذا المساس مســـوغات إبداعية أو فنية تبرر الدفاع عنه.

مشيرا ان سببا آخر أدى إلى انسحاب فلسطين من الأدب الجديد، وهو أن أعدادا كبيرة من الكتاب والمبدعين، بمن فيهم أولئك الذين يوظفون القضية الفلسطينية بخبث في كتاباتهم، آثروا مسايرة المتطلبات والمقاييس المعاصرة للكتابة التي تؤهلهم لنيل الجوائز، وعلى رأس هذه المتطلبات، حسب ناجي، «تمييع وليّ أعناق الأفكار والكتابات كي تبدو مناسبة ومقبولة لدى الجهات المانحة التي لا تتنازل عن شروطها السياسية، وفي مقدمتها، الموقف من أمريكا وإسرائيل، ومؤخرا من المقاومة والعروبة والإسلام».

طباعة