فيلم يركز على بواطن العلاقة الإنسانية تعرضه صالات العرض المحلية

«القاضي».. مربياً ومجرماً

يحكي الفيلم أن كل شخص في هذه الحياة لديه طريقة في التربية ومعالجة مشكلات الأبناء، لكن الحقيقة أنه مهما اختلفت الطرق والوسائل في التربية فإن النتائج تبقى غير مضمونة، ولا يمكن التكهن بها. أرشيفية

هل يكفي أن نبدأ الحديث عن فيلم «القاضي» بالمشهد الذي يضم الابن المحامي اللامع مع والده القاضي في دورة المياه، عندما أقدم الابن وقام بتحميم والده بعد أن تبول على نفسه، كي نوصل رسالة الفيلم الذي يعرض حالياً في دور السينما المحلية، وهو من إخراج دافيد دوبكن، ويقوم ببطولته كل من روبرت داوني جونيور وروبرت دوفال وبيلي بوب ثورنتون وفيرا فارميجا؟ أم ننتقل إلى مشهد آخر، مغاير تماماً، وهو بداية أحداث الفيلم عملياً، عندما يدرك المشاهد أنه أمام محامٍ لا يدافع إلا عن المذنبين، لأنهم يدفعون أكثر؟ هنا قد تتذبذب موازين المشاعر، لكن الحقيقة عكس ذلك، ففي كل مشهد في الفيلم، وكل قصة، والقصص كثيرة فيه، نقترب أكثر إلى بواطن العلاقة الإنسانية التي قد تجمع بين الناس، فما بالكم إذا كانت العلاقة بين الأب والابن اللذين جمعتهما الندية والصراعات، حتى اضطر «هانك بالمر»، الشخصية الرئيسة في الفيلم، إلى مغادرة مدينته الصغيرة، والانتقال إلى مدينة أميركية أكبر، فقط ليثبت لوالده (القاضي جوزيف الذي يشغل منصبه مدة 42 عاماً)، قبل أن يثبت لنفسه، أنه قادر على الاستمرار.

لا شك في أن الفيلم يحمل في جعبته الكثير، على الرغم من أن الحدث الأكبر فيه هو علاقة الندية التي تجمع بين هانك بالمر، الابن المحامي الغني نتيجة دفاعة عن المذنبين، الذين حسب تعبيره «يدفعون أكثر من الأبرياء»، ووالده القاضي النزيه في ولاية أنديانا الأميركية في مدينة صغيرة فيها، فهو الشخصية الأكثر احتراماً، كيف ولا وهو صاحب منصب القاضي لمدة 42 عاماً، وتجاوز الـ70 من عمره، اللقاء بينهما تأخر 20 عاماً، جفاء وعدم زيارات وقلة في المكالمات الهاتفية، لكن موت الأم هو الذي جعل هانك يلغي جلسة المحكمة ويهرول مسرعاً إلى مدينته الصغيرة التي يمقتها.

في جانب آخر، تظهر علاقة هانك مع ابنته، وزوجته التي خانته بعلاقة عاطفية، أقامتها من خلال «فيس بوك»، وإجراءات الطلاق القائمة بينهما، هذا التفصيل لا يدخل في صلب الموضوعات الأهم في الفيلم، بل يركز على طريقة تعاطي المحامي الأب مع ابنته، التي سيكتشف المشاهد لاحقاً أنها تحمل أسلوب القاضي قديماً مع ابنه.

يصل هانك إلى مدينته، ويودع والدته، فتبدأ شخصيات الفيلم الرئيسة بالظهور، بداية مع شقيقه الأصغر المصاب بما يشبه التوحد، والذي يمارس هواية تصوير كل شيء، ليلحقه شقيقه الأكبر الذي يظهر بيد مصابة، يعرف المشاهد بعد ذلك أن السبب فيها هو هانك، فقد كان الشقيق الأكبر لاعب بيسبول من الدرجة الأولى، لكن حادث سيارة كان يقودها هانك تسبب في إصابة يده، فمنعته من الاستمرار في شغفه.

هذه التفاصيل ضرورة لمعرفة مشاعر الغضب والجفاء التي يكنها القاضي لابنه المحامي، والتي تظهر عندما تواجها في العزاء، حيث سلم عليه كغريب، على عكس سلامه الحميمي مع الآخرين.

ينتظر هانك بفارغ الصبر انتهاء طقوس الجنازة، ومع ذلك فهو يراقب كل تحركات والده، الذي يعتبره كان قاسياً معه، على الرغم من مشاهد الطفولة الجميلة التي تجمعه معه، يراقبه بحب لا يخفى عن كل شخص يحب اباه، مع مكابرة لها علاقة بعدم المواجهة، فهما لم يتواجها ولا مرة في حياتهما، ولم يفرغ كل منهما غضبه على الآخر، الصمت والتجاهل كانا سيدي الموقف بينهما، لكن الحقيقة غير ذلك، وحبكة الفيلم تبدأ معها، عندما توجه الشرطة تهمة القتل إلى القاضي.

ففي غمرة حزن القاضي على فقدان زوجته، يرتكب حادث سير، نتيجته قتل شخص حكم عليه سابقاً بالسجن 20 عاماً، وهنا تعتقد الشرطة أن الحادث مع سبق الإصرار والترصد، لكن هانك يقف ويقول «من الممكن أن يكون والدي سيئاً، لكنه ليس قاتلاً»، وتبدأ المناورة، لتتكشف خيوط كثيرة لم تكن في الحسبان.

في خضم كل هذا تظهر على السطح علاقة من نوع آخر، تجمع هانك مع حبيبته السابقة سامانثا، التي أدت دورها ببراعة الممثلة فيرا فارميغا، سامانثا تخلق نوعاً من التوازن في حياة هانك، الذي تخلى عنها أيضاً، ولم تستطع أن تحب سواه، لكن الذي يجمع بينهما حكاية ابنتها التي قبلها يوماً هانك في الحانة، وبدأت الشكوك في أن تكون ابنته، خصوصاً أن لديها حركة تشبه حركة ابنته الصغيرة، لكنه يكتشف لاحقاً أن الابنة نتيجة علاقة عابرة ضمت سامانثا مع شقيقه الأكبر.

وعودة إلى قضية القاضي، ومن الضروري وصف الشخصية بدقة، رجل حازم، متكبر، صارم، نزيه، يتمنى ألا يموت وينساه الناس بسهولة أو يذكروه بصفة لازمته، لذلك فهو يخفي مرض السرطان المتقدم الذي أصابه، كي لا يتم التشكيك في نزاهته في آخر سنة عمل فيها قاضياً، ونتيجة هذا المرض هو يتناول أدوية تجعله أقرب إلى المخمور، مع أنه لا يشرب، لكن هذا الأمر لن يخفى عن ابنه المحامي البارع، ليكون الحوار بينهما كالتالي «أنا أرفض أن تمثلني في المحكمة، فأنت محامي المذنبين، وأنا لست بمذنب، ناهيك عن معرفتك بسري الذي لا أريد أن يُفصح عنه في المحكمة، لأنني أريد أن أموت ويُنكس العلم الأميركي لأجلي»،

لكن المحامي الذي اختاره القاضي ليس بارعاً، وكاد أن يتسبب في قرار قتل من الدرجة الأولى بحق القاضي، وهنا واجه هانك والده، وأوضح له المخاسر، وطلب منه توكيله في القضية، وهذا الذي حدث فعلاً، في مشهد يدل على تشابه الأب مع ابنه، فهو وقع على الورقة وألقى بها من تحت الباب.

يبدأ هانك بالبحث عن دفاعات كثيرة لا تدين والده، لكن شخصية الشاب المقتول بحد ذاته تدين القاضي، فعندما كان في عمر الـ16 قام بتهديد فتاة وإطلاق الأعيرة النارية على غرفتها، لكن القاضي وقتها تعاطف معه واعتبره طفلاً، وصدق دموعه، وحكم عليه بالحبس 20 يوماً، وبعد إخلاء سبيله أول ما فعله الشاب هو اقتياد الفتاة إلى البحر وإغراقها فيه، وهذه القضية جعلت القاضي يلوم نفسه سنوات طويلة، عمرها 20 عاماً من حكم جديد على الشاب، الذي خرج، وهذه المعطيات من البديهي أن تدين القاضي. ومن خلال كاميرا شقيقه المتوحد، يكتشف هانك بالمر الكثير من تفاصيل حياة والده، الذي كان يختار الهروب إلى كوخ ليلعب الشطرنج، ويركب أجهزة الأدوية في وريده بعيداً عن أعين الجميع، وهنا هانك لا يستطيع، بناء على رغبه والده، أن يتحدث عن هذا الأمر، ولا يستطيع أيضاً ادعاء أن والده القاضي النزيه مدمن على الكحول، ليخلصه الاتهام، وفي المحكمة وعند منصة الشهود، يبدأ محامي الخصم ببث فيديو يظهر فيه القاضي والمقتول في سوبر ماركت، ويبدأ القاضي بإعادة شريط الذكرى، وينتفض من مكانه، ليدرك بالفعل أنه قتل المجني قصداً، خصوصاً بعد جملة قالها «سمعت أن زوجتك دفنت بجانب صديقتي القديمة، الليلة سأذهب وأبول على قبريهما»، فيرد القاضي من على منصة الشهود «نعم قررت قتله، لكنني لا أذكر أنني قتلته»، هنا يضطر هانك لمخالفة وعده لوالده، ويفصح عن مرضه، خصوصاً أن القضية باتت بين لجنة المحلفين.

في النهاية يتم الحكم على القاضي بالسجن أربع سنوات في تهمة القتل العمد، لكن لظروفه الطبية الصعبة يتم إخلاء سبيله بعد سبعة أشهر، ويقوم باستقباله ابنه هانك بالمر، ويصطحبه إلى البحر على متن قارب لصيد السمك.

يقول له القاضي «سألتك مرة من هو أفضل محامٍ لديك، فأجبتني بأنه مديرك في العمل، وسألتني حينها نفس السؤال، لكني كذبت عليك، فأنت أفضل محامٍ التقيته في حياتي»، بعد هذه الجملة يموت القاضي بهدوء على متن القارب، وينكس العلم الأميركي من على قبة القضاء حزناً عليه.

في المحصلة يحكي الفيلم أن كل شخص في هذه الحياة لديه طريقة في التربية ومعالجة مشكلات الأبناء، لكن الحقيقة أنه مهما اختلفت الطرق والوسائل في التربية، فإن النتائج تبقى غير مضمونة، ولا يمكن التكهن بها.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

طباعة