جديد المصري أحمد عبدالله

«ميكروفون».. لولا فسحة «الهيب هوب»

الفيلم أحد الوعود التي تقدمها السينما المصرية الجديدة. من المصدر

الهوامش المعبر الأكيد لمعاينة المقبل، الهوامش تتسع تماماً لكل ما ينبئ بما يجيء، وهناك أجيال كاملة تشكلت في ظله، ولعله، أي الهامش، واسع ومترامٍ لدرجة يتفوق فيها على المتن، خصوصاً حين نتكلم عن فئات اجتماعية مغيبة بأكملها، وشعب يزنره الفقر من كل جانب، وبالتالي فإن هذا التهميش الاقتصادي سيكون مأهولاً تماماً بكل أنواع التهميش الأخرى، السياسية والاجتماعية والثقافية، وهكذا سيكون لدينا موسيقى خاصة بالفقراء وعوالم معزولة تماماً عن الأقلية الغنية والحاكمة.

في الفيلم الثاني للمخرج المصري أحمد عبدالله «ميكروفون» سيكون ما تقدم الخلفية التي ينبني عليها ما سنشاهده فيه، لكن في اتباع للتهميش في اطاره الثقافي، وفي تتبع أيضاً لما له أن يكون تشكيلات النخب الثقافية الجديدة في مصر، طالما أن المؤسسات الثقافية الرسمية لن تعترف بحال من الأحوال بما يفرزه الهامش، طالما أن هناك نوعاً آخر من النخب التي تؤمن بوقوف الزمن وجموده، وعدم الانفتاح على الجديد، وتفضيل قتله في المهد على الاعتراف به ومواكبة انتشاره وحضوره.

فبعد فيلم عبدالله «هليوبوليس» الذي قدم من خلاله معاينة سينمائية للواقع المصري الراهن أفضت به إلى الحنين لما كان عليه، وهجاء ما صار إليه عبر التنويع في الشخصيات والخيوط السردية، فإنه يمضي في جديده نحو ما له أن يكون «موسيقى العوالم السفلية» وتحديداً فرق «الهيب هوب» و«الروك» المصرية في مدينة الإسكندرية، بما يجعله على اشتباك مع فيلم الإيراني بهمن قبادي «لا أحد يعرف عن القطط الفارسية»، الذي كان نبشاً في عوالم تلك الفرق في طهران وهوامشها، الفرق التي تصطدم مع سلطة دينية تحرّم هذا النوع الموسيقى، مع ايجاد قبادي من خلاله وفي سياق سرده الدرامي الذي ينتهي مأساوياً فرصة للتوثيق للجانب الآخر من طهران، عبر مرافقة الأغاني الكثيرة التي يحملها الفيلم، الأمر الذي سنعثر عليه في فيلم أحمد عبدالله لكن وفق الواقع المصري، ولعل صدام النوع الموسيقي الذي يقدمه سيكون مصرياً على شيء من اثبات الوجود، وفي تركيز على انفصاله عن الواقع الذي يريد تغييره بموسيقاه ورؤيته المغايرة لما هو سائد ومستكين، وهنا يمضي تحرك الفيلم مع نخبة شبابية منفتحة على الآخر، متصالحة مع ذاتها، تبني علاقاتها الاجتماعية من دون قيود متوافرة في كل مكان حولهم، إنه فيلم عن فئات شبابية تبني عوالمها بعيداً عن المشوهات والأخلاقيات السائدة، وبالتالي فإن صدامها سيكون في هذا الإطار، وليس بعنف وقسوة ما نشهده في فيلم قبادي.

يستعين فيلم «ميكروفون» بشخصية خالد (خالد أبوالنجا) العائد من أميركا، لتكون معبراً إلى اكتشافات متعلقة بحياة كاملة تحصل على غفلة منه، وشبان يبنون عالماً خاصا وأدواتهم التعبيرية هي موسيقى «الهيب هوب» و«الروك» ورسوم «الغرافيتي»، ولتكون الخطوط الدرامية التي تتشابك في الفيلم لا تتعدى استعادات لحواراته مع حبيبته (منة شلبي) التي تهجر البلد لانعدام أي أفق فيها، بينما تشكل الاكتشافات التي يقع عليها خالد فسحة أمل له سرعان ما ينغمس بها، وتتشابك حياته مع حياة الشبان حوله وموسيقى فرق مثل «مسار اجباري» و«واي كرو»، وآخرين.

يصل الفيلم إلى المسعى لإقامة حفلة في الشارع لهذه الفرق، لكن سرعان ما يصطدم الأمر بعوائق كثيرة، سواء بالنسبة للمتدينين الذين لا يقبلون أن تقام حفلة بالقرب من المكان الذي يخصصونه للصلاة، وصولاً إلى الشرطة التي تتدخل وتمنعهم.

بنية فيلم «ميكروفون» ستكون على التقاء مع الكثير في «هليوبوليس»، الأمر الذي لن يتبدى سريعاً ونحن ننتقل من أغنية إلى أخرى من أغاني تلك الفرق الجميلة، لكن يبقى أحمد عبدالله واحداً من أبرز التجارب في ما صار يعرف بالسينما المصرية المستقلة، ولعل ما تسعى أن تقدمه هذه السينما يبقى بمثابة وعد بسينما جديدة تعيش مخاضاتها وتطلعاتها.

طباعة