الأزمة المالية ترشّد الإنفاق الاســتهلاكي

الأزمة المالية دفعت المستهلكين إلى الاكتفاء بالسلع الأساسية وعززت منهجية الادّخار لديهم. تصوير: زافير ويلسون

قال مستهلكون إنهم اضطروا إلى تقليص نفقاتهم وتغيير نمط حياتهم والاستغناء عن بعض العادات الاستهلاكية الترفيهية بعد الأزمة المالية العالمية.

واتفق مسؤولو تسويق في مراكز تجارية كبرى في الدولة على أن الفترة الماضية أظهرت انخفاضاً في مبيعات بعض المحال التجارية بنسب تتراوح بين 10 و20٪. وأرجع مسؤول تسويق في مركز أبوظبي التجاري هذا الانخفاض إلى ما وصفه بـ«حالة القلق التي خلّفتها تغطية وسائل الإعلام للأزمة، مشيراً إلى أن عروض التخفيضات السعرية على السلع لم تشهد اختلافاً عن الأعوام الماضية.

وأشار خبراء ماليون واقتصاديون إلى ضرورة ترشيد الإنفاق وقت الأزمات المالية، التي رأوا أنها تنعكس بشكل سلبي على مستويات الإنفاق لدى المستهلكين وعلى المبيعات، ما يخلق آثاراً سلبية على الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، تتمثل بانخفاض الناتج الإجمالي، إلا أنهم توقعوا بأن الانخفاض في حالة حدوثه لن يكون كبيراً.

خفض النفقات
وتفصيلاً، قالت الموظفة في شركة عقارية، سحر عبدالحافظ، «قمت بتخفيض نفقات أسرتي غير الضرورية، واستبعدت شراء جميع السلع الترفيهية أو الكمالية مثل الإلكترونيات، أو تغيير أثاث المنزل كما كنت أفعل سنوياً، واعرف كثيرين قاموا بذلك أيضاً، كل حسب رؤيته للسلع التي يراها ضرورية أو غير ضرورية»، لافتة إلى أن «شبح التسريح يراود العاملين في الشركات الخاصة في العالم كله».

وأضافت «لاتزال رواتبنا وزوجي، الذي يعمل في قطاع الفنادق كما هي، ولكن لا أحد يعرف ماذا تحمل لنا الأيام المقبلة، وينبغي لنا الاحتياط حتى لا نضطر للاستدانة أو اللجوء إلى تغيير مدارس الأبناء التي ندفع فيها وحدها ربع دخلنا شهرياً».

وقال الموظف في شركة نقليات خاصة، عمر علي، «وضعت خطة بالفعل لتقليل نفقاتي، حيث أصبحت أكتب في ورقة ما احتاج لشرائه عند الذهاب إلى المراكز التجارية وألتزم بها تماماً، ولا أخرج عنها كما كنت أفعل قبل الأزمة، كما أصبحت أطبخ العديد من الوجبات في المنزل بعد أن كنت أفضل تناول الوجبات الثلاث في المطاعم، كما اتخذت قراراً بتقليص الهدايا في أضيق النطاق عند العودة في الإجازات إلى بلدي السودان».

وأضاف «كان الوافدون في السابق لا يخشون الاستغناء عنهم مثل الآن، لأنهم يعرفون أنه إذا حدث ذلك سيلجأون إلى أي بنك للحصول على قرض ينفقون منه على أسرهم حتى يلتحقوا بعمل جديد، بينما الآن بدأت العديد من الشركات توقف إجراءات تعيين موظفين جدد، وأصبح الجميع يعرفون أن من يفقد عمله عليه أن يسدد التزاماته المالية بأي شكل وأن يعود إلى بلده لأنه لن يجد عملاً آخر بسهولة».

وتابع «أجّل العديد من أصدقائي قرار شراء سيارة جديدة لأنهم لا يثقون في الاستمرار في العمل في الشركات التي يعملون بها حتى يستطيعوا تسديد باقي المبلغ»، لافتاً إلى أن «معظم البنوك قامت بوضع شروط مبالغ فيها للتمويل، مثل زيادة القسط الشهري لقرض السيارة والمطالبة بفوائد مرتفعة، واشتراط ألاّ يقل الراتب الشهري عن 20 ألف درهم».

بدوره، قال علي فرج الله، وهو موظف في هيئة خاصة في أبوظبي «الأزمة العالمية تحمل لي وجهين أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ فمن ناحية، أنا موظف ودخلي ثابت وأثرت الأزمة سلباً في القوة الشرائية في الدول المتقدمة وبالتالي أدت إلى انخفاض أسعار العديد من السلع، فأصبحت أشعر بأن راتبي قد ازداد لأن قوته الشرائية أصبحت أعلى»، واستطرد «أصبحت فرص السفر للخارج للترفيه أكبر في ضوء الأزمة العالمية لمن يمتلك المال، لأن هناك عروضاً سعرية مغرية وتخفيضات من جانب الشركات السياحية نتيجة للركود في الدول الأوربية والآسيوية».

وأضاف «من ناحية أخرى، فأنا أشعر بقلق بالغ لأني حصلت على قرض من البنك أسدده على ثلاث سنوات لدفع إيجار الوحدة التي أسكن فيها وأخاف أن يرفض البنك إعطائي قرضاً آخر العام المقبل، فلا أعرف كيف سأتصرف».

من جانبه، اعتبر عبدالحي عبدالله، وهو موظف في هيئة حكومية في أبوظبي، أن الأزمة لم تؤثر حتى الآن في حياته، وقال «لم تؤثر الأزمة في طريقة حياتي أو نفقاتي حتى الآن»، لافتاً إلى أن «أكثر الناس الذين تضرروا هم الذين تم تسريحهم أو تخفيض رواتبهم، وهم شريحة قليلة للغاية حتى الآن في الدولة».

وقال المواطن عادل محمد «اضطر العديد من أقربائي إلى تأجيل بناء مساكن نتيجة للأزمة، لأن البنوك أصبحت توفر نسبة تقل عن 70٪ من التمويل، فأصبح توفير باقي التمويل مسألة صعبة ومربكة، ما أجبرهم على اتخاذ هذا القرار الصعب عليهم».

ولفت إلى أن «تأثير الأزمة في الجميع يبدو واضحاً في مختلف المراكز التجارية، حيث قل رواد المطاعم والكافيتريات بشكل واضح، كما بدا العديد من محال الملابس والسلع الاستهلاكية خالياً من الزبائن».

انخفاض المبيعات
من جانبه، قال مسؤول التسويق في مركز أبوظبي التجاري، ماهر حاج: «انخفضت المبيعات لدى بعض المحال التجارية بنسبة تتراوح بين 10 و15٪ على الأكثر هذا العام»، وارجع ذلك إلى ما وصفه بـ«حالة الفزع التي خلفتها التغطية الإعلامية المكثفة للأزمة العالمية وليس نتيجة للأزمة بذاتها»، لافتاً إلى أن «اقتصاد أبوظبي قوي ولم نسمع أي أنباء عن استغناء شركات عن عمالة أو تخفيض رواتبهم أو ما شابه».

وقال «لايزال مستوى التخفيضات التي أعلنتها المحال التجارية هذا العام مثل مستوياتها في الأعوام الماضية، فالمحال التي اعتادت أن تقوم بتخفيضات كبيرة قامت بذلك هذا العام أيضاً باعتبار أن ذلك سياسة تسويقية ثابتة تلجأ إليها كل عام لبيع المخزون قبل طرح الموديلات الجديدة، كما لاتزال العروض التشجيعية والجوائز والهدايا التي تقدم للمتسوقين كما هي»، لافتاً إلى أنه «ربما الشيء الوحيد الذي تغير هذا العام هو بدء التخفيضات مبكراً عن موعدها بفترة تتراوح بين 15 يوماً إلى شهر»، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة ربما ترجع إلى مخاوف من الأزمة العالمية أو أنها استباق لمهرجان التسوق في دبي».

من جهته، قال أحد مسؤولي خدمة العملاء في مركز المارينا التجاري، فضّل عدم ذكر اسمه، أن «هناك تباطؤاً في مبيعات بعض المحال التجارية مقارنة بالعام الماضي، خصوصاً المحال التي تبيع الهواتف والالكترونيات»، لافتاً إلى أنه «يتم حالياً التعرف بدقة إلى مبيعات كل محل على حدة، لأن هناك سحوبات على جوائز كبيرة، ولذلك يتم تحليل فواتير الشراء وقيمتها والمحل الذي تم الشراء منه».

وقال «بالرغم من وجود تباطؤ في حركة الشراء بصفة عامة، فإن نسب التخفيضات السعرية التي قامت بها المحال التجارية لاتزال كما كانت خلال السنوات الماضية ولم يطرأ عليها تغيير يذكر حتى الآن».

من جانبه، أشار مسؤول البيع في معرض «الرحال للمفروشات»، في الشارقة محمد إدريس، إلى أن «معدلات البيع انخفضت بشكل كبير أخيراً تأثراً بالأزمة المالية، التي قللت من الإقبال على الشراء من جانب المستهلكين الذين أصبحوا يركزون عمليات الشراء فقط على السلع منخفضة السعر»، وأبدى تخوفه من أن تزيد آثار الأزمة بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة ما يؤثر في مستقبل تجارته.

وقال مسؤول البيع في محل «الملكة» لتجارة الإكسسوارات والهواتف المتحركة، محمد إبراهيم، إن «المبيعات انخفضت خلال ديسمبر بنسب تصل إلى نحو 20٪ مقارنة بالفترات السابقة»، لافتاً إلى أن «هناك ركوداً كبيراً في الأسواق، وغالبية الأفراد يتجهون لعرض هواتفهم المتحركة للبيع ولا يتجهون لشراء أجهزة جديدة بعكس الفترات السابقة، التي كان فيها إقبال مستمر لشراء أحدث إصدارات الهواتف المتحركة».

انعكاسات سلبية
من ناحيته، قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور، أحمد السامرائي، إن «الأزمة المالية العالمية تنعكس بطرق عدة على مستويات الإنفاق لدى المستهلكين، كما تنعكس في الوقت نفسه على معدلات رواج المبيعات في الأسواق»، لافتاً إلى أن «انعكاسات الأزمة على مستويات الإنفاق والمبيعات سيكون لها آثار سلبية في الاقتصاد الوطني على المدى الطويل».

وأوضح أن «الآثار السلبية ستتركز في انخفاض معدل الناتج المحلي، الذي تحتسب فيه معدلات الإنفاق الاستهلاكي»، مشيراً إلى أن «انخفاض المعدلات لن يكون كبيراً».

وأشار إلى أن «انعكاسات الأزمة على معدلات الإنفاق الاستهلاكي ستشمل بشكل أساس إعادة هيكلة معدلات الإنفاق لدى الأسر مع إعادة صياغة المتطلبات الأساسية للإنفاق، والتي تختلف من مجتمع لآخر ومن أسرة لأخرى»، واصفاً «تقليص معدلات الإنفاق واتجاه الأسر للترشيد في إنفاق الميزانيات الخاصة بها بالوضع الضروري حتى استقرار الأزمة».

وتوقع السامرائي «حدوث انفراجة منتظرة في الأزمة بعد ثمانية أشهر مقبلة مع عودة السيولة للمعدلات المناسبة في الأسواق في ظل جهود تحريك الاقتصاد وضخ السيولة».

وطالب «بضرورة وضع حلول لمواجهة الأزمة من خلال توعية المجتمع بضرورة الترشيد الاستهلاكي، وبشكل خاص في وقت الأزمات».

الترشيد الإجباري
من جهته، أفاد المدير التنفيذي لجمعية الإمارات لحماية المستهلك، الدكتور جمال السعيدي، بأن «انعكاس الأزمة المالية على الأفراد دفعهم لتغيير نمط المعيشة من البذخ الاستهلاكي إلى التخطيط لمواجهة آثار الأزمة، عبر تغيير معدلات الإنفاق لميزانياتهم المالية والاتجاه للادخار واقتصاد النفقات تحسباً لتداعيات الأزمة».

وأوضح أن «الأزمة ستضطر الأفراد لاتخاذ قرارات صعبة في ضغط احتياجاتهم الشرائية والاكتفاء بالحصول على السلع الأساسية، خوفاً من تأثرهم بشكل مباشر بالأزمة المالية مستقبلاً».

وأضاف «لا يوجد حتى الآن أي مؤشــرات حول المدة الزمنــية التي ستنتهي فيها تداعيات الأزمة محلياً، وبالتالي سيستمر الابتعاد عن شراء السلع الكمالية ما استمرت الأزمة، لأن ذلك في صالح المستهلكين».

ضبط الأسواق والأزمة
طالب المدير التنفيذي لجمعية الإمارات لحماية المستهلك، الدكتور جمال السعيدي «بضرورة وسرعة ضبط الأسواق الداخلية لمنع استغلال الأزمة بشكل سلبي من جانب بعض التجار، الذين يسعون لاحتكار أو تخزين السلع التي كان يتم استيرادها من الأسواق الأميركية والاتجاه لزيادة أسعارها بشكل مبالغ فيه لاحقاً».

وأشار إلى أنه «من المهم الحفاظ على إمدادات الأسواق من السلع وخصوصاً السلع المهمة كالأدوية والمواد الغذائية الأساسية مع سرعة تدبير أسواق بديلة لمواجهة أي مشكلات متوقعة للمنتجات التي يتم استيرادها من الأسواق الأميركية».

طباعة