الإمارات اليوم

وصفه أقرانه بـ «ابن والدته» و«الجبان» الذي لا يستطيع أن يتقاتل معهم

موغابي عانى الوحدة وفقدان الحنان وشظف العيش في طفولته

:
  • ترجمة: عوض خيري عن «الإندبندنت» البريطانية
  • موغابي عاش معزولاً ومنبوذاً من قِبَل أقرانه من الأطفال. أرشيفية

تخلى عنه والده النجار وهو في العاشرة من عمره، وتولت تربيته والدته، بونا، المتعصبة دينياً، وفجع في وفاة شقيقه الأكبر المحبوب لديه. عانى الوحدة والمرارة وانعدام الرحمة في طفولته. جاءت به والدته هو وأشقاؤه الآخرون الى العاصمة هراري، وسكنت بالقرب من البعثة الكاثوليكية، آملة في أن تصبح راهبة.

مأساة مصرع شقيقه

على الرغم من أن والدته ظلت متمسكة بإيمانها الديني طوال حياتها الزوجية، إلا أن إيمانها اهتز عندما توفي ابنها الأكبر، مايكل عام 1934. ويروي روبرت موغابي في إحدى مقابلاته الصحافية النادرة في ديسمبر الماضي، أن وفاة شقيقه شكلت لها «ضربة رهيبة، لقد مات بالسم». ويمضي قائلاً: «أصاب الحزن أيضاً الأب جيروم أوهيا، رئيس القرية الأنغلو إيرلندي، (والذي أصبح في ما بعد الأب البديل لموغابي)».

وصف موغابي وفاة أخيه مايكل كما لو أن ذلك قد حدث بالأمس القريب. وقال إن السبب في وفاته هو «اننا في تلك الأيام كنا نستخدم مواد سامة نرشها على الزراعة لقتل الجراد، وقد يكون مايكل قد ذهب إلى غرفة عمتي، وجلب وعاء فيه بعض هذه المواد وملأه ماءً وشرب منه، وهذا ما رواه لنا الشخص الذي كان معه عندما شرب من الوعاء». ويسترسل موغابي «عندما عاد إلى البيت كان السم منتشراً في جميع اجزاء جسمه، لأنه كان رياضي وركض سبعة أميال للبيت، ووقع على بطنه، وسأله جدي: ما بك؟ فرد عليه وهو يئن: بطني، بطني، بطني».

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


توقعات تحققت

جاءت اللحظة الحاسمة، التي من شأنها أن تكون لها آثار عميقة ليس فقط على مستقبله، ولكن بالنسبة لمستقبل البلاد، وإن كانت ادت إلى وقوع كارثة في ما بعد. وذكر دوناتو «لقد أوضحت والدتنا أن الأب أوهيا أخبرها أن موغابي سيكون شخصاً مهماً، أو زعيماً». ويمضي قائلاً: «كانت أمّنا تعتقد أن الأب أوهيا تلقى هذه الرسالة من الله، ولهذا أخذتها مأخذ الجد، فعندما كان يقل الطعام في منزلنا كانت تقول أعطِ هذا لموغابي، وكنا نضحك عليه لأنه كان جاداً جداً، ثم تخبرنا والدتنا أن ندعه وشأنه».

مضى الأب أوهيا في طريقه لمساعدة الطفل موغابي الخجول، ووصفه بأنه ذو «جاذبية غير عادية»، مع «عقل وقلب استثنائيين»، وقال إنه يعتقد ان هذا الصبي يستحق اهتماماً غير عادي. وفي المقابل، يوافق موغابي على أن الأب أوهيا يمثل شخصية الوالد بالنسبة له.

وكلما كبر في سنه ظل يستكشف ماهيته من خلال والدته بونا، فقد جعلته يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أنه سيكون «المنجز الذي يرتفع فوق الجميع، والزعيم الذي لا يبارى»، وربما نظرت اليه أيضاً على أنه البديل لإخفاقها في خدمة الكنيسة، كما كان والداها يأملان.


• على الرغم من أن والدة موغابي ظلت متمسكة بإيمانها الديني، طوال حياتها الزوجية، إلا أن إيمانها اهتز عندما توفي ابنها الأكبر، مايكل عام 1934.

ويجيب موغابي حول نظرات الصحافي الذي يجلس أمامه «ربما تتساءل لماذا لم ننقله للمستشفى؟ يعتقد جدي انه لا يستطيع نقله الى هناك، لان والده لم يكن موجوداً، ووالدته ايضاً لم تكن هناك، ويقول اننا إذا أخذناه الى المستشفى فقد يأخذونه الى منطقة سالسبوري، وندرك أن الناس هناك تتعرض لفتح البطن كما كنا نعتقد، وسيلومنا والده، فأنا الجد وليس الوصي عليه ولم أحصل بعد على الإذن لأفعل ذلك».

ويمضي قائلاً: «في اليوم الثالث، عادت والدتي، وذهبت إلى الأب أوهيا، وفي المساء، جاء معها الأب أوهيا وسقى أخي محلولاً، هز الاب أوهيا رأسه وطلب من أمي أن تتبعه للخارج قليلاً، كان يحاول الابتعاد عن مايكل قدر الامكان، ويريد أن يقول لها إن الوضع خطر جداً، عادت والدتي للدار ولم تمضِ دقائق قليلة حتى فارق الحياة، وقال الأب أوهيا إنه لو تم نقله الى المستشفى في وقت مبكر فربما بقي على قيد الحياة».

يبدو أن وفاة مايكل في سن الخامسة عشرة هي التي عجلت برحيل والد موغابي، غابرييل، من منطقة كتامة، التي تبعد نحو 100 كلم من هراري، إلى مراعي جديدة في بولاوايو، ثاني أكبر مدينة في زيمبابوي، حيث تزوج هناك، لكنه فشل في تقديم الدعم لأسرته الأولى، ما أثار غضب الشاب موغابي. ومع وفاة الابن الثاني لبونا، أيضاً، أصبح موغابي الأكبر بين أشقائه الثلاثة.

فقر مدقع وفقدان للعطف والحنان

على الرغم من أن الأسرة كانت تعاني الفقر المدقع، إلا أن الحرمان العاطفي في مرحلة الطفولة هو الذي أثر عميقاً في نفسية موغابي مدى الحياة. وفي الوقت الذي بذل جده قصارى جهده لتعويض مكان الأب المفقود، وعلمه كيفية صيد الطيور لسد حاجة الأسرة من الطعام، عانى هذا الصبي الصغير من جدية والدته، التي كان يتطلع اليها لمنحه شيئاً من العطف والحنان.

كان روبرت معجباً بوالدته، وكان يحضر معها الصلاة كل يوم، ومرتين أيام الأحد في السنوات التالية لوفاة شقيقيه الكبيرين. وبعد أن فارقها زوجها، أصبحت بونا مكتئبة، ولم تستطع مجابهة الحياة وحدها.

أصبح موغابي المسؤول عن الأسرة، على الرغم من أن سنه لم تتعدّ في ذلك الوقت عشر سنوات، بوصفه أكبر طفل في الأسرة. ثم أصبح المفضل لدى والدته، فهو الذي حاول إعادة النور الى عينيها، وأن يصبح كما تريده أن يكون. وكان ذلك أمراً جسيماً لطفل خجول وحساس.

أصبح موغابي تدريجياً معزولاً وأكثر ميلاً للخيال، كما يفعل الأطفال المحرومون من الحنان. وفشلت والدته في التغلب على الحزن واليأس، واصبحت أكثر اعتماداً على ابنها الحساس والمُجد في الوقت نفسه، والذي يدفن نفسه في الكتب، بينما يسخر منه اخوته وزملاؤه في الفصل الدراسي ويصفونه بـ«ابن والدته» و«الجبان»، الذي لا يستطيع أن يلعب أو يتقاتل مع بقية الصبيان.

لا يحب الخسارة

وظل روبرت بلا أصدقاء إلى حد كبير طوال حياته (باستثناء الفترة التي اعقبت اقترانه بزوجته الأولى، سالي هايفرون، التي لم تكن فقط مساندته القوية، لكنها أيضاً الزوجة المثقفة التي تقف معه على قدم المساواة). كان موغابي الشاب مولعاً بلعب التنس، ويظل يلعب مع النخبة من القوم من كلية القديس فرانسيس كزافييه بكوتاما، طالما انه يفوز عليهم دائماً. ويتذكر استاذ الرياضيات، كازيتو بوت، وهو الآن في التسعينات من عمره، ويعرف موغابي على مدى سنوات عدة، وكان يعيش بالقرب من الملعب ويخرج لمشاهدة الطلاب يلعبون، يقول «كان يضرب الكرة بشدة، كان حريصاً وجيداً في اللعب، وكثيراً ما كان الفوز حليفه»، ويمضي قائلاً: «ولكنه عندما يخسر تسمعه يقول (انظر الى هذه اللعبة الجيدة، ما أحلى هذه الضربة)، ثم يضرب المضرب بشدة على الأرض، وكنت أدرك أنه سيثور ويتملكه الغضب، ويسقط رأسه ويرخي كتفيه ويغادر الملعب دون أن يقول أي شيء لأي شخص، لم يكن يحب أبداً أن يخسر».

كانت كوتاما مركزاً للعبادة والفرص الثمينة، ولكنها تمثل أيضاً تحدياً للشباب الذين يتوقون للفوز بمكان في سانت فرانسيس كزافييه، أكبر مدرسة للبنين في البلاد. أخذ موغابي واجباته المدرسية على محمل الجد، كما أصبح كاثوليكياً نموذجياً: فبمجرد أن بدأت والدته باصطحابه معها لحضور الصلاة في كنيسة مايكل، أصبح تقريباً تقياً مثلها. كان مؤسس البعثة في كوتاما كاهناً فرنسياً، يدعى جان باتيست لوبيير، الذي وصل إلى روديسيا (وهو الاسم لزمبابوي قبل استقلالها) بعد وقت قصير من مطلع القرن العشرين. وعلم أهل كوتاما الأميين القبليين بأن ينظروا إلى العالم كله كمكان شر، سيجتاحهم ما لم يطلبوا التوجيه خلال الصلاة الدائمة. وبرر موغابي ذلك بقوله: «في تلك الأيام، كان الكاثوليك يعيشون كقديسين، أو على الأقل اعتقدت الكنيسة أنه يمكنها أن تجعلهم يعيشون كقديسين. كنا نعيش في القرى المسيحية، ولم يكن يسمح لنا بالخروج منها، يمكنك أن تخرج فقط مع البعثة لزيارة جدتك، لكن عليك أن تعود بحلول الساعة 5 مساء».

اعتادت والدته ارتداء ثياب حتى العنق، وبطول الكاحل تحت نظام الأب لوبيير، وكانت تحفظ كل تعاليم الكنيسة عن ظهر قلب. ويقول شقيق موغابي، دوناتو، الذي توفي في مايو من العام الماضي «إذا صفعته والدته صفعة قوية، فعلى موغابي أن يشكرها على تصحيحها له.. وهذا ما تعتقد فيه والدتنا، وكان الأطفال الآخرون يغيظونه وأصبح جراء ذلك منعزلاً، لكنه لم يكترث لذلك».

وجاء أوهايا كخليفة للوبيير في كوتاما، وهو مدرس موهوب، ورجل استثنائي. وضع في عهده حداً للمحظورات الجامدة التي جاء بها سلفه، وشجع على النظر الى العالم نظرة حديثة وواقعية. وسرعان ما لاحظ الموهوبين، مثل موغابي، وبدأ برعايته. وكان دوناتو يتذكر شقيقه وهو يتسكع خارج الفصول الدراسية للكاهن، ويحرص على مساعدة الرجل من خلال حمل كتبه أو تنظيف السبورة له.

صديقه الكتاب

وكونه صبياً فشل في زرع الثقة في نفسه، بدأ موغابي يتبنى موقفاً متعجرفاً تجاه أشقائه وزملائه الطلاب. وبوصفه الابن المدلل لوالدته في الأسرة والمحبب أكثر لدى المعلمين في الفصول الدراسية، ركز كل طاقته في أن يصبح «الصبي الصالح». وكان موغابي دائماً وحيداً، كما ذكر شقيقه دوناتو.

ووجد موغابي عزاءه وتوقعاته في الكتب، وليس في تكوين صداقة مع الأطفال الآخرين. وأقر موغابي بذلك أثناء المقابلات الصحافية، مشيراً إلى سلوكه غير الاجتماعي كطفل. ويقول «عندما كنت صغيراً كنت أحب القراءة، وكنت أسير وفي أبطي كتاب، وأقرأ كل كتاب صغير، وأفضل أن أبقي مع الكتب ولا اذهب للعب مع الاطفال، لا أحب ان يكون عندي أصدقاء كثيرون، يكفي واحد أو اثنان، كنت اعيش داخل خيالي كثيراً، وأحب أن أتحدث لنفسي، وأن القي بعض الأشعار على نفسي، أو أقرأ لنفسي بصوت عالٍ».

ويروي دوناتو: «عندما كان يذهب ليرعى الماشية يأخذ كتابه معه، ويمسك الكتاب في يد والسوط في اليد الأخرى، كان منظراً غريباً بالنسبة لنا، وعندما تصل الابقار للمرعى وتبدأ في رعي الحشائش يلجأ الى ظل شجرة ليقرأ كتابه».

كان مختلفاً عن أشقائه بطريقة أو بأخرى، ويحب أن يكون في المدرسة حتى عندما يكون إخوته يلعبون في المنزل. وكان منزلهم قريباً جداً من كلية القديس فرنسيس كزافييه. وكان يمكنه أن يأتي الى المدرسة ويذهب كما يحلو له.

مواد ذات علاقة