الإمارات اليوم

«اتفاقية السلام» انعكست عليهم سلباً

السكان الأصليون في كولومبيا يحاربون من أجل أراضيهم

:
  • ترجمة: حسن عبده حسن عن «الأوبزرفر»
  • السكان الأصليون يقومون بحملة لـ«تحرير الأرض الأم» لاستعادة أرض أجدادهم من مزارع السكر، ومنتجعات السياحة. أرشيفية
  • الرئيس سانتوس وضع حدوداً على مزيد من المناطق الطبيعية لتكون محميات جديدة وتعهد باستخدام الجيش لحمايتها. غيتي

كانت ثمة راية باللونين الأخضر والأحمر ترفرف فوق عدد من الخيم المصنوعة من قصب البامبو والقماش، على الخطوط الأمامية للصراع المميت والمتزايد، من أجل الأرض والبيئة في وادي كوكا في كولومبيا. وهي الراية التي يرفعها الناشطون من السكان الأصليين، الذين يقومون بحملة يدعون فيها إلى «تحرير الأرض الأم»، وتدعو الحملة إلى استعادة أرض الأجداد من مزارع السكر، ومنتجعات السياحة، حيث اشتدت قوة الحملة إثر الفراغ الناجم عن اتفاق السلام، بين الحكومة الكولومبية ومسلحي حركة فارك.

أسوأ اشتباك

حدث أسوأ الاشتباكات حتى الآن في كورينتو في التاسع من مايو الماضي، عندما قام ناشطون من «نازا» باحتلال أراضٍ كانت ضمن مزارع قصب سكر يملكها الملياردير كارلوس ارديلا لولي. وعندما فتحت الشرطة النار عليهم وهم يحاولون احتلال أراضٍ تابعة للملياردير المذكور، قتل الشاب دانييل فيليب كاسترو، وأصيب آخرون. وقال أحد أقرباء الميت «كنا نقوم بتقطيع قصب السكر عندما وصلت الشرطة وفتحت علينا النار، فهم لا يريدون منا البقاء في هذه الأراضي، لكننا لا نريد مغادرتها، ولذلك أرادوا قتلنا».


أسهمت عصابات المخدرات، والميليشيات، وأمن الشركات الخاصة، والتي تتداخل أعمالها أحياناً، في جعل وادي كوكا أحد أخطر الأماكن في العالم بالنسبة لناشطي حقوق السكان الأصليين، والمدافعين عن البيئة والصحافيين.

وتعج مدينة كورنتون بالمزارع التي حاول الناشطون احتلالها، بهدف وقف إمدادات الكوكا - المكون الرئيس لصنع مخدر الكوكايين - لمهربي المخدرات في الجبال، عن طريق زراعة الخضار بدلاً عنها.

وعلى الرغم من وقوع حالتي وفاة، العام الماضي، إلا أن ميليشيات هنود «نازا»، أكبر وأفضل الميليشيات تنظيماً، التي تضم 20 مجموعة من السكان الأصليين في وادي كوكا، تقوم بعمليات تنظيف واحتلال، إذ يقوم كل أسبوعين تقريباً المئات، بل الآلاف من الناشطين، الذين يحملون السكاكين الكبيرة، ويعرفون باسم «مينغا»، بحرق وتخريب مناطق شاسعة مزروعة بقصب السكر، وبعد ذلك يقيمون فيها مخيمات، ويزرعون المحاصيل التقليدية، مثل الذرة.

وتنظر مجموعة نازا إلى عملها من منظور تاريخي وروحي، إذ إنها المرحلة الأخيرة من نضال امتد قروناً عدة، من أجل الحفاظ على الأرض، وهو صراع بين وجهتي نظر عالميتين ومتباينتين، الأولى تصبو إلى الانسجام مع الطبيعة، والثانية لا يهمها إلا تحصيل أكبر كمية ممكنة من الأرباح، بغض النظر عن الأثر الذي ستتركه على البشر والبيئة.

ويقول أحد قادة «نازا»، ويدعى خوسيه رينيه غويتو، إن «تحرير الأرض يعني حمايتها. ويمكن مشاهدة الدم الذي سُفك في سبيل قضية أرض أفضل، ومستقبل أفضل لأطفالنا». وثمة مخاوف بيئية أيضاً تدفع «نازا» إلى التحرك، إذ يشعرون بأنه لا ينبغي لهم العيش بأعداد كبيرة مع موارد قليلة. وقال منسق حقوق الإنسان في اتحاد مجالس السكان الأصليين في شمال كوكا، ادوين موريشيو كاباز، مُعلّقاً «هناك عدد كبير منا يعيشون في الجبال، وهو ليس بالأمر الجيد، لأننا ندمر الموارد المائية». لكن هذه السلوكيات جعلت السكان الأصليين يبدون في موقف المعارض للقانون، وقوات الأمن الحكومية، وبعض كبار الملاك، ومزارعي قصب السكر في كولومبيا.

نظرة مختلفة

لكن الحكومة الكولومبية تنظر إلى الأمور بصورة مختلفة، وهي تقول إن الحكومة لديها مسؤولية حماية الممتلكات الشرعية، وإن قضايا أرض السكان الأصليين لا ينبغي خلطها مع موضوع حماية البيئة، إلا أن الحكومة تعترف بأن السلام الناجم عن اتفاق منظمة «فارك» مع الحكومة، أدى إلى تدمير كبير في الأراضي، التي كانت في السابق قضية لا يمكن التطرق إليها، لأنها كانت محتلة من قبل حركة «فارك».

وارتفع معدل القضاء على الغابة في كولومبيا بنسبة 44% في العام الماضي، وارتفع معه إنتاج الكوكا بسرعة كبيرة. ولمعالجة كل ذلك، عمد الرئيس خوان سانتوس إلى وضع حدود على مزيد من المناطق الطبيعية، لتكون محميات جديدة، وتعهد باستخدام الجيش لحمايتها. ولطالما كان وادي كوكا مكان عمليات المجموعات المسلحة، وعلى الرغم من تفكيك «فارك»، إلا أنه لاتزال هناك مجموعات تمرد أخرى، وعدد من كتائب الموت، الذين يقومون بقتل أي شخص مقابل مليوني بيزو (2750 درهماً تقريباً).

وأسهمت عصابات المخدرات، والميليشيات، وأمن الشركات الخاصة، والتي تتداخل أعمالها أحياناً، في جعل وادي كوكا أحد أخطر الأماكن في العالم بالنسبة لناشطي حقوق السكان الأصليين، والمدافعين عن البيئة والصحافيين. وفي العام الماضي، تم قتل 37 ناشطاً في كولومبيا، التي تأتي في المرتبة الثانية بعد البرازيل في هذا المجال، وذلك حسب منظمة «ويتنس» العالمية غير الحكومية. أما خلال العام الجاري، فيبدو الوضع مشابهاً، إذ إن أعداد قتلى الناشطين وصلت إلى 28 حتى الآن.

وتحدثت صحيفة الأوبزرفر مع ثلاثة من الناشطين، الذين قالوا إن الشرطة كانت تستخدم الذخيرة الحية ضدهم، وكان أحدهم لاتزال الرصاصة في كتفه، ولم يتم إخراجها بعد. ويرى قادة «نازا» أن الاضطرابات في مناطقهم، ترجع إلى أن اتفاق السلام في كولومبيا جعل أطرافاً كثيرة تحاول الحصول على الأراضي، واستخدام موارد المياه، كما أن الحكومة باتت تمنح العديد من رخص حفر المناجم واستغلال المياه بسهولة.

ركائز أساسية

وبعد إجراء إصلاحات الري، وتفكيك الميليشيات المسلحة، بات القضاء على محاصيل الكوكا والمارجوانا من الركائز الأساسية التي يستند عليها اتفاق السلام، لكن ذلك أدى إلى زيادة العنف والضغط على الأراضي. ويبدو الضغط جلياً في منطقة مونت ريدوندو الصغيرة، التي كانت تُزرع فيها كمية قليلة من الكوكا. وقام السكان، وهم خليط من «نازا» ومزارعين آخرين، بالتوقيع جميعهم على برنامج استبدال زراعة المحاصيل، حيث تعد الحكومة بتقديم التعويضات، إذا تحول هؤلاء المزارعون من زراعة المخدرات إلى الحمضيات والقهوة.

وهؤلاء المزارعون ليسوا بحاجة إلى الكثير من الإقناع، إذ إن القوى الاقتصادية تدفع السكان بعيداً عن زراعة المخدرات في المناطق السهلية، فقد انخفضت أسعار الكوكا في هذه المنطقة. ويقول المزارعون إنهم يبيعون أونصة الكوكا بـ1000 بيزو، أي نصف السعر الذي كان عليه قبل اتفاق السلام. ويشعر الكثير من المزارعين الآن بالتعب من آثار العنف والخراب الناجم عن تهريب المخدرات، وبناءً عليه كان 95% منهم مستعدين للتحول عن زراعة الكوكا، على الرغم من تهديدات عصابات المخدرات، التي قامت بقتل المدافعين عن تبديل الزراعة نحو المحاصيل التقليدية.

مخاطر

ويبدو أن المخاطر تتخذ أشكالاً عدة في الفترة الانتقالية لتغيير المحاصيل، إذ إن أعداء الأمس أصبحوا يعيشون الآن في أماكن أكثر قرباً. وكانت منطقة مونتي ريدوندو ممنوعاً على السلطات الحكومية الدخول إليها، بالنظر إلى أنها كانت تحت سيطرة عصابات المخدرات والميليشيات، لكنها أصبحت الآن موطناً لثلاثة مخيمات جديدة، تقبع جنباً إلى جنب، وهي: قاعدة للشرطة تحيط بها تلال من أكياس الرمل، وموقع للجيش يحوي نحو 10 خيم عسكرية، وصف من المنازل مسبقة الصنع التي كانت لمسلحي فارك التي تم تفكيكها. وقال أحد الضباط في مخيم الجيش «إذا كانت هناك أي منطقة غير محتلة، فإن المجموعات المسلحة ستدخل إليها فوراً. ونحن نعمل في مناطق لم تكن تحت سيطرة الحكومة من قبل».

لكن هذا السلام كان هشاً، فقبل أسبوع من زيارة صحيفة الأوبزرفر للمنطقة قتل ثلاثة من أفراد الشرطة بهجوم عليهم بالقنابل اليدوية. ويقول مقاتلون سابقون من فارك إن التوتر ازداد، على الرغم من أنهم متفائلون بالمستقبل على المدى البعيد.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

مواد ذات علاقة