الإمارات اليوم

ظاهرة لاتزال تؤرّق صعيد مصر

مبادرة لتحويل سوهاج محافظة خالية من «الثأر»

:
  • خالد محمود - القاهرة
  • مبادرة من أجل إعلان سوهاج منطقة خالية من الثأر. من المصدر
  • صورة تمثيلية لـ«القودة» التي يقدم فيها المطلوب للثأر كفنه لأهل القتيل فيقبلونه أو يرفضونه. من المصدر

أطلق شباب من محافظة سوهاج بصعيد مصر مبادرة لإعلان المحافظة خالية من ظاهرة الثأر الصعيدي، ونجح شباب سوهاجيون في ترتيب مصالحات مهمة بين أهم القبائل التي كانت بينها خصومات ثأرية، متفائلين بأن تكون هذه بداية لنهاية حقبة مظلمة من تاريخ صعيد مصر، وآملين أن تكون تجربتهم نموذجاً يحتذى في محافظات أسيوط وقنا والأقصر وأسوان. إلا أن الروائي والكاتب الصحافي، خالد إسماعيل، حذر من التسرع بالتفاؤل، داعياً إلى التركيز أكثر على إزالة أسباب «الثأر» وجذوره، ومحذراً من الاكتفاء بالمصالحات الشكلية التي يجريها تنفيذيون وأثرياء وأصحاب مصالح.

- هذه المبادرة يمكن أن يكتب لها النجاح إذا اتكأت على عمودين رئيسين هما «الأزهر الشريف» و«الإعلام المسؤول».

- مسلسل الثأر أخذ منحنيات عدة، صعوداً وهبوطاً، حسب الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة، فقد بلغ الثأر والعنف عموماً ذروتهما في الثلاثينات الأربعينات.

وإعمالاً لمبادرة «سوهاج خالية من الثأر» تم إنهاء الخصومة رقم 18 في مركز واحد، طبقاً لمصادر أهلية، وذلك اعتماداً على آلية ما يسمى بـ«القودة»، التي يقدم فيها المطلوب للثأر كفنه لأهل القتيل فيقبلونه أو يرفضونه طبقاً للعرف الصعيدي، وكان من أفضل الإنجازات التي حققتها المبادرة، إنهاء خصومة ثأرية امتدت لـ32 عاماً منذ عام 1985، حيث تصالح أفراد عائلتَي «الحمامدة» و«الطوايلة»، وحضر مؤتمرات إنهاء الخصومات حشود بالآلاف يتقدمهم علماء أزهريون وقساوسة وبرلمانيون وممثلون لعائلات وجمهور غفير.

وقال مدير أمن سوهاج، اللواء مصطفى مقبل، في تصريحات إعلامية «إنه تم إنهاء 88 خصومة ثأرية حتى الآن، خلال ثلاثة أشهر فقط، وإن النزاعات الثأرية في كثير من محافظات مصر، ومنها سوهاج، لا تستدعي في الأصل أن يكون هناك ثأر بين الطرفين، لأنها أسباب بسيطة يمكن حلها بأقل مجهود وتحكيم للعقل، فقد يكون الثأر، على سبيل المثال، على أولوية ري الزراعات بين الفلاحين، أو أولوية السير بالسيارة قبل الآخرين في طريق ما، أو شجار ناتج عن لهو أطفال ينتهي بمقتل أحد الطرفين، أو معاكسة فتاة، أو شجار على قطعة أرض، أو مبلغ من المال».

وقال الكاتب الصحافي، عمر عبدالعلي، لـ«الإمارات اليوم» إن هذه المبادرة يمكن أن يكتب لها النجاح إذا اتكأت على عمودين رئيسين، هما «الأزهر الشريف» و«الإعلام المسؤول».

ونوه عبدالعلي إلى أن معظم المصالحات التي أنهت الخصومات الثأرية كانت الريادة فيها للأزهر، حيث يحظى علماء الدين بمكانة كبيرة وسط الناس، تجعل من التزام الناس بكلمة أمامهم أمراً لا يقبل التلاعب، كما أن الإعلام عليه أولاً أن ينقل الأحداث الثأرية بمسؤولية، ويبعدها عن منطق الإثارة، والرغبة في زيادة التوزيع، كما أن عليه أن يلعب دوراً تنويرياً في تثقيف الناس ضد «الثأر».

وأشار عبدالعلي إلى دور التعليم على المدى البعيد في إنهاء الظاهرة، مشيراً إلى تجربة قريتهم «شطورة» التي تنتمي إلى محافظة سوهاج، والتي تراجع فيها «الثأر» بدرجة ملحوظة منذ الثمانينات نظراً إلى ارتفاع نسبة التعليم بشكل لافت.

يذكر أن قرية «شطورة» تمثل ظاهرة تعليمية مبهرة في صعيد مصر، حيث تضم بين أبنائها قرابة 400 أستاذ جامعي و130 صحافياً، و750 طبيباً، رغم أن عدد سكانها لا يزيد على 120 ألف نسمة.

من جهته، شكك صاحب رواية «عقد الحزون» الشهيرة عن صعيد مصر، خالد إسماعيل، في أن تمثل المصالحات الجارية الحلقة الأخيرة في مسلسل الثأر بصعيد مصر عموماً، ومحافظة سوهاج على وجه التحديد، ودعا إسماعيل إلى مخاطبة جذور المشكلة الحقيقية واستئصالها بدلاً من المعالجات المسيسة والسطحية.

وقال إسماعيل، الذي ينتمي لبلدة جهينة بسوهاج، لـ«الإمارات اليوم» إن «الثأر هو فورة غضب، وسلاح متوافر، وظروف اقتصادية سلبية، والظروف الثلاثة لاتزال متوافرة بالصعيد»، ونوه إسماعيل إلى أن «مسلسل الثأر أخذ منحنيات عدة، صعوداً وهبوطاً، حسب الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة، فقد بلغ الثأر والعنف عموماً ذروتهما في الثلاثينات الأربعينات، وكلنا يتذكر بروز محمد منصور الشهير بـ(الخُطّ) في تلك الفترة، وذلك نتيجة للأزمة الاقتصادية التي مثلت مقدمات يوليو 1952، ثم تراجعت الظاهرة في الخمسينات والستينات بعد صعود الناصرية ومرور الصعيد بسياسات إصلاحية، منها الإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي، وانتشار حركة التصنيع، وهي إنجازات استوعبت آلافاً من أبناء الصعيد في آفاق إيجابية، ثم جاءت السبعينات بالانفتاح الاقتصادي، الذي حمل نتائج مزدوجة، بعضها انشغال الناس بالتطورات الجديدة في حياتهم، وبعضها الآخر توافر المال للبعض لشراء السلاح».

وختم إسماعيل قوله «أياً ما كان اختلاف الوضع اليوم، فإن بصمة تلك السنوات قائمة، ولا أظن أن مجرد المصالحات الشكلية، التي يرعاها رجال أعمال وساسة حريصون في المقام الأول على نوع من الاستقرار يكفي لتسيير مصالحهم، لا أظنه يمكن أن ينهي الأمر برمته، ولابد أن نخاطب الأمر من جذوره وعياً وتعليماً وتنمية واقتصاداً».

مواد ذات علاقة