الإمارات اليوم

أقيم قبل 100 عام.. وكان الوحيد في فلسطين الذي يصل عبر طريق الحجاز

«نفق بلعا».. رحلة تاريخية بعمق الجبال على متن قطار عثماني

:
  • زهير دوله - طولكرم

قبل 100 عام ونيف كان في مدينة طولكرم بالضفة الغربية سكة حديد وقطار، وبُني مطار قلنديا الدولي، وكان يمتد تاريخ ميناء يافا لأكثر من 3000 عام، أما اليوم ففلسطين المحتلة لا تحط فيها طائرات مدنية، ولا يستطيع ميناء غزة الصغير سوى استقبال زوارق الصيادين التي لا تقوى على الإبحار لأكثر من 10 أميال بحرية، أما السكة الحديدية فقد سلبها الاحتلال عندما توقفت عن العمل عشية نكبة عام 1948.

ففي مدينة بلعا، شرق طولكرم، تتوسط منطقة جبلية ثلاث محافظات شمال الضفة الغربية، وهي نابلس وجنين وطولكرم، ويتربع أسفلها نفق بلعا العثماني المشهور بـ«الخرق»، الذي كان يمرّ من بين حجارته الأثرية قطار فلسطين الذي كان يربط مدن الضفة بأراضي الداخل المحتل.

ورغم توقف عمل السكة الحديدية الممتدة عبر نفق بلعا العثماني، وما يتعرض له من عمليات سلب من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه مازال شامخاً محافظاً على تاريخه الأثري العريق، حيث يشق ذلك النفق البالغ طوله 450 متراً أحد الجبال التابعة لبلدة بلعا، الواقعة على بعد 10 كم من مدينة طولكرم.

مكانة تاريخية

«الإمارات اليوم» كانت في نفق بلعا العثماني، المسمى أيضاً بـ«خرق بلعا»، فمن يدخله يلاحظ دقة الإتقان والإبداع في بناء أقواسه وجوانبه، حيث صممه عدد من المهندسين الألمان نظراً إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين العثمانيين والدولة الألمانية وقتها، فامتزجت أصالة الشرق وسحره بالخبرة والمهارة الغربية.

ويقول أستاذ التاريخ والباحث الأثري، نعمان شحرور: «إن نفق بلعا أقيم على أنقاض خربة أثرية رومانية يطلق عليها اسم راشين، وقد تبلورت فكرة إنشاء خط السكة الحديدية لتصل ما بين إسطنبول والحجاز في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، لتسهيل الطريق على الحجاج القادمين من تركيا وبلاد الشام باتجاه مكة المكرمة».

ويضيف «سمي النفق بالخرق لأنه كان عبارة عن خرق تمر فيه سكة الحديد، وفي جوانبه من اليمين والشمال، توجد (وسعات) يمكن أن يتوقف داخلها أي شخص إذا ما فاجأه القطار المار عبر النفق، إضافة إلى قناديل للإضاءة في حال وصل القطار ليلاً»، مشيراً إلى أن هذه المنطقة كانت معمورة في فترة من الفترات.

ويشير شحرور إلى أن العمل في حفر النفق استمر على مدار ثماني سنوات متتالية منذ بداية عام 1900، وقد شارك في إنجازه آلاف العمال، أغلبهم من السكان المحليين، بالإضافة إلى الذين التحقوا بالخدمة العسكرية الإلزامية التركية، والذين كان يطلق عليهم «السخرة»، لافتاً إلى أنهم استخدموا في حفر النفق أدوات بدائية لا تتجاوز ببساطتها الفأس والمعول.

ويقول أستاذ التاريخ «إن هذا النفق الوحيد في فلسطين بطول 220 متراً، الذي كان جزءاً من الخط العسكري العثماني الذي يصل من شمال سيناء، مروراً بالعوجا جنوب النقب، وبئر السبع، ويستمر شمالاً ليصل القدس مروراً ببتير، ويعود إلى الغرب ليصل الرملة واللد، وشمالاً إلى طولكرم، ومن ثم إلى نابلس وغرب سبسطية».

رحلة على متن قطار فلسطين

مازال المواطن حمد أبورايق (80 عاماً) من سكان قرية بلعا يستذكر صوت القطار عندما يمرّ بالقرب من قريته، ويتذكر لونه وطوله وشكله، ومازالت أيام طفولته التي قضاها في اللعب واللهو بمحيط نفق الخرق حاضرة في ذاكرته، حيث كان يذهب برفقة أصدقائه للتمتع بالمناظر الخلابة في هذا المكان.

ويقول المسن الفلسطيني «إن قطار سكة حديد فلسطين كان عبارة عن عربات (فراكين) متشابكة ببعضها بعضاً، فالفركون الأول هو الموتور، وقد كان يمر يومياً من بلعا، وأحياناً يحمل المواشي والبضائع، وأوقات أخرى يستقله الركاب، وكان القطار يطول ويقصر، ففي بعض الأوقات يتكون من ثلاثة أو خمسة فراكين، وفي أوقات أخرى سبعة فراكين، حسب الحمولة، أما لونه فكان بنياً».

ويضيف «عندما كنت أريد ركوب القطار من عرب الهذالين في جنوب يطا، فعند الصباح اتجه إلى بيت لحم لأزور أصدقاء لي عند الدير، وعند الظهيرة أستقل القطار المتجه شمالاً باتجاه القدس، وأسلم على أصدقاء لي في بيت صفافا، وأصل رام الله عند الساعة الثالثة، لأواصل طريقي من محطة المنارة باتجاه الشمال لينزل القطار متثاقلاً عبر الهضاب الجبلية وصولاً إلى طولكرم».

حفر النفق استمر على مدار ثماني سنوات متتالية منذ بداية عام 1900، وقد شارك في إنجازه آلاف العمال أغلبهم من السكان المحليين.

مواد ذات علاقة