الإمارات اليوم

أنقرة تضغط على واشنطن لتسليم غولن

العلاقات الأميركية التركية تتأرجح بين الصداقة والعداوة منذ سنوات

:
  • ترجمة: مكي معمري عن «سايلون»
  • ترامب غض الطرف عن مخالفات المؤسسات والمصارف التركية. أرشيفية
  • المعارضة التركية في مسيرة حاشدة احتجاجاً على سياسة الحكومة. رويترز

قبل نحو ثلاثة أسابيع أرسلت مجموعة مشتركة من الحزبين من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي رسالة إلى الرئيس دونالد ترامب، أعرب فيها الموقعون عن «قلقهم البالغ إزاء استمرار تدهور حقوق الإنسان وتراجع القيم الديمقراطية في تركيا». وتعكس الرسالة إحباطاً متزايداً في «الكونغرس» حيال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وضرورة أن تتخذ واشنطن موقفاً قوياً ضد تجاوزات الحكومة التركية.

شائعات

اعتبر مسؤولون أتراك التقارير حول زراب مجرد شائعات، وقال أردوغان إن القضية هي جزء من جهد أميركي لإلحاق الضرر به. ومع ذلك، إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البنوك التركية، نتيجة لحالة زراب، فإن ذلك سيكون له تأثير في سمعة القطاع المصرفي التركي بأكمله، ويمكن أن يؤثر في الآفاق السياسية لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، ما يوفر لخصومهم قضية يمكنهم استغلالها من أجل تسليط الضوء على تهور الحكومة.

في اجتماعه الأخير مع الرئيس باراك أوباما، سأل أردوغان عما إذا كان بإمكان الرئيس الأميركي أن يفعل أي شيء بشأن قضية زراب، وفعل ذلك في اجتماعه الأول مع الرئيس دونالد ترامب. وبعد وقت قصير من تولي الأخير منصبه في واشنطن، أضاف فريق الدفاع عن زراب، عمدة نيويورك السابق رودي جولياني، إلى قائمته. وفي الوقت نفسه تقريباً، تم تنحية المدعي الأميركي بريت بارارا، الذي وجه التهم ضد زراب. ومع ذلك، من المقرر أن تستمر المحاكمة هذا الشهر.

هل يمكن أن تكون اعتقالات توبوز وأولوكاي، فضلاً عن مضايقة كانتورك، جزءاً من محاولة للضغط على الولايات المتحدة، للموافقة على صفقة بخصوص غولن أو زراب أو كليهما؟ من الصعب معرفة ذلك، لكن أردوغان أشار، في سبتمبر الماضي، إلى أن الحكومة التركية ستكون مستعدة لمبادلة قس أميركي يدعى أندرو برونسون، الذي يقبع في سجن تركي منذ فترة بعد الانقلاب الفاشل، مقابل غولن.

برونسون هو واحد من 15 على الأقل، وربما يصل العدد إلى 20، من الأميركيين الذين يحتجزون في تركيا على ما تعتبره جماعات حقوق الإنسان تهماً زائفة، تتعلق بدعم حركة غولن أو حزب العمال الكردستاني، وهي اتهامات مريحة للسلطات التركية. وكانت وزارة الخارجية الأميركية حذرة في التعليق على وضع الأميركيين المحتجزين، ولم تتخذ أية إجراءات إلا بعد اعتقال توبوز. وقد وصفت منظمة العفو الدولية الأميركيين المحتجزين بـ«الرهائن».

يستخدم المسؤولون الأميركيون تعابير مثل «العلاقة الاستراتيجية» أو «نموذج للشراكة»، في كثير من الأحيان، لوصف العلاقات مع تركيا. هذا البلد أشبه بـ«صديق عدو».


أصبحت تركيا واحدة من أكثر الدول قمعاً في الشرق الأوسط، إذ إن عدد الأشخاص الذين سجنوا وقتلوا هناك يساوي أو يتجاوز عدد الذين قتلوا في بلدان تعاني أوضاع عدم الاستقرار.

أصبحت تركيا واحدة من أكثر الدول قمعاً في الشرق الأوسط، فعدد الأشخاص الذين سجنوا وقتلوا هناك يساوي أو يتجاوز عدد الذين قتلوا في بلدان تعاني أوضاع عدم الاستقرار. بطبيعة الحال، تدهور حقوق الإنسان، وتجاهل القيادة التركية للمبادئ الديمقراطية، بدآ قبل الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، لكن الفضل يعود إلى أعضاء مجلس الشيوخ في تسليط الضوء على هذه المشكلات، إذ إن إدارة ترامب وفريق أوباما يفضلان عدم التطرق إلى هذه المسألة مباشرة وبشكل علني. وكان «الكونغرس» قد نزل عند رغبة البيت الأبيض، إلى أن اعتقل الموظف التركي في القنصلية الأميركية بإسطنبول، ميتين توبوز، في الرابع من أكتوبر.

توبوز ليس مثل الآخرين الذين اعتقلوا، منشقين كانوا أم صحافيين أم سياسيين أكراداً أم ضباط شرطة أم قضاة أم محامين. توبوز هو موظف خدمة خارجية، أمضى نحو ثلاثة عقود في العمل بالقنصلية الأميركية في إسطنبول، لمصلحة وكالة محاربة المخدرات (الأميركية). وكان اعتقاله خرقاً دبلوماسياً كبيراً، قاد إدارة ترامب إلى وقف تأشيرات دخول غير المهاجرين من الأتراك، ما دفع الحكومة التركية إلى الرد بالمثل.

توقعات

كانت هناك بعض التوقعات بأنه عندما زار رئيس الوزراء التركي بن علي يلديرم واشنطن، الأسبوع الماضي، كان هناك اتفاق حول هذه القضية. في الواقع كان هناك القليل للتفاوض، لأن «أزمة تأشيرة الدخول»، كما هو معروف، ترتبط بالدراما السياسية المحلية التركية، التي تدور تفاصيلها على بعد آلاف الأميال، بعيداً من قاعات وزارة العدل، وقاعة المحكمة في مانهاتن. توبوز وآخرون مجرد لاعبين هامشيين، في هذه المأساة، وإذا واصل قادة تركيا هذه السياسة، فستضعف سيادة القانون في الولايات المتحدة.

معظم الأميركيين لا يعلمون أن البعثات الدبلوماسية الأميركية، في جميع أنحاء العالم، لا يمكنها أن تعمل من دون مساعدة مواطنين من الدول المضيفة، الذين يعملون لمصلحة الولايات المتحدة. ويقوم موظفو الخدمة الخارجية بجميع أنواع الوظائف، وكثيراً ما يكونون نقطة الاتصال الأولى عند زيارة السفارة أو القنصلية، التي تدير المداخل والمخارج جيداً قبل وبعد نقطة تفتيش حراس جنود البحرية. ويمكن أن يكون موظفو الخدمة سائقين ومنظفين وطهاة.

تصعيد الموقف

من بين هؤلاء يوجد أيضاً محللون اقتصاديون وسياسيون، وموظفو شؤون ثقافية، ومهنيون في مجال التنمية. ومنذ اعتقال توبوز، صعّدت الحكومة التركية الموقف، ورفعت سقف المطالب. وفي مطلع أكتوبر، قام أفراد من الشرطة بدهم منزل موظف آخر في القنصلية بإسطنبول، يدعى ميتي كانتورك، كما احتجزوا زوجته وابنته فترة وجيزة. ولم يتم القبض على كانتورك أبداً، على الرغم من أن المسؤولين الأتراك يدعون أنه من مؤيدي فتح الله غولن.ومع اعتقال توبوز، فقد انضم الأخير إلى معتقل آخر من موظفي الخدمة الخارجية، في السجون التركية، وهو حمزة أولوكاي، الذي خدم منذ فترة طويلة في القنصلية الأميركية في أضنة، والذي سجن في مارس الماضي، وكلاهما متهم بـ«عضوية منظمة إرهابية». لماذا تقوم الحكومة التركية باعتقال موظفي الخدمة الخارجية؟ وفقاً لمسؤولين في أنقرة، فإن التفسير لحالة توبوز واضح: إنه مؤيد لغولن، وبالتالي يشتبه في لعبه دوراً في محاولة الانقلاب، العام الماضي. من المستحيل أن نعرف على وجه اليقين ما إذا كان توبوز متورطاً بما تتهمه الحكومة التركية بارتكابه. وكثيراً ما لا يطبق المدعون العامون في تركيا معايير قانونية على القضايا قيد التحقيق، بل يعملون كوكلاء لحزب العدالة والتنمية الحاكم، ولمصلحة الرئيس رجب طيب أردوغان. ونتيجة لذلك، فإنهم يمارسون صلاحياتهم في مجال الادعاء بأثر مدمر، ما يؤثر في حياة المتهمين وعائلاتهم، في بيئة سياسية محفوفة بالمخاطر، ومستقطبة للغاية.

قصة مختلفة

أما بالنسبة إلى حمزة أولوكاي، فإن قصته مختلفة إلى حد ما، فقد اتهم بأنه مؤيد لحزب العمال الكردستاني، وهو «جماعة إرهابية» تستهدف تركيا منذ 33 عاماً. ووفقاً لزميل سابق، كان أولوكاي يعرف الكثير عن السياسة الكردية، وما يحدث في الجنوب الشرقي، حيث تعيش أغلبية كردية، أكثر من أي شخص آخر. وهكذا لعب دوراً مهماً في مساعدة الدبلوماسيين الأميركيين على فهم المتغيرات السياسية، في ذلك الجزء غير المستقر والعنيف في تركيا.

وما يمكن تصوره أيضاً أن التفسيرات الرسمية لاحتجاز توبوز وزملائه في الخدمة الخارجية ليست في الواقع هي أسباب اعتقالهم. فالمراقبون العاديون للسياسة الداخلية التركية والسياسة الخارجية يعرفون أن الحكومة التركية أصرت على أن تقوم الحكومة الأميركية بتسليم فتح الله غولن، المقيم حالياً في ولاية بنسلفانيا، حيث استقر هناك منذ أواخر التسعينات، إلى السلطات التركية لمحاكمته عن دوره المزعوم في الانقلاب الفاشل، العام الماضي.

دور مباشر

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأسبوع الماضي، أن مايكل فلين، ناقش قبل أيام من بدء عمله مستشاراً للأمن القومي للرئيس ترامب، مسألة تسليمه مع المسؤولين الأتراك، مع دفع محتمل لمبلغ 15 مليون دولار، من قبل الأتراك، وذلك خلال اجتماع خاص، عقد في ديسمبر الماضي، في نيويورك. وهذا يثير احتمال أن يواجه فلين وابنه تهمة المؤامرة الخطرة من قبل المستشار الخاص لوزارة العدل روبرت موللر، الذي يبدو أنه يبحث في هذه المؤامرة المزعومة. ومن خلال محاميه، وصف فلين هذه المزاعم بأنها «فظيعة» و«كاذبة».

خطة الالتفاف

إلى ذلك، بذل الأتراك قصارى جهدهم لإخفاء قضية «رضا زراب» عن الأنظار. وزراب هو رجل أعمال إيراني-تركي، اعتقل في مارس 2016 بتهمة الاحتيال المصرفي، والإعداد لخطة من أجل الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على إيران، عبر تجار الذهب في إسطنبول، ومصرف «هلبانك» المملوك للحكومة التركية. إن قضية زراب تشكل تهديداً لأردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم من ناحيتين.

أولاً، كان زراب قد وصل إلى أعلى مستويات الحكومة التركية. وثانياً، فإن الكشف عن كيفية تهرب زراب و«هلبانك» من العقوبات، يجعل البنوك التركية الأخرى في مرمى الخزانة الأميركية. وأشارت تقارير صحافية، أواخر أكتوبر الماضي، إلى أن خمسة مصارف تركية قد تواجه دفع ما يصل إلى ستة مليارات دولار من الغرامات بسبب المخالفات.

ستيفن كوك : كبير الباحثين في مركز «كاونسل أون فورين ريلايشنز»، وقد تم نشر كتاب جديد له بعنوان «الفجر الخاطئ.. احتجاج، ديمقراطية وعنف في الشرق الأوسط».

مواد ذات علاقة