الإمارات اليوم

أطالت أمد الصراع

أنفاق «داعش» في الرقة لم تمنع هزيمته

:
  • ترجمة: حسن عبده حسن عن «لندن ريفيو أوب بوك»

قبل زمن قصير من حصار مدينة الرقة السورية في يونيو الماضي، اعتقل رجال من تنظيم داعش المواطن السوري، حمد الساجر، من أبناء المدينة بتهمة عدم التزامه بالصلاة. وكان حمد (29 عاماً)، يكسب رزقه من عمله على دراجة نارية ينقل عليها الركاب والبضائع. وكان التنظيم قد اعتقل حمد مرات عدة لأسباب أهمها أن الرجل يدخن السجائر وهو السلوك الذي يحرمه التنظيم. ونظراً إلى أن حمد نسي صلاة العصر في أحد الأيام، لأنه كان ينقل أحد الزبائن إلى مكان ما، تم اعتقاله. ولكنه مثل العادة، ظن أن بإمكانه دفع غرامة والتعرض للضرب جلدات عدة، ثم يفرج عنه، ولكنه هذه المرة تم نقله إلى مكان قريب بالسيارات، نظراً إلى أن السيارة التي كانت تقله سارت لفترة قصيرة في حين كان حمد معصوب العينين.

تنظيم داعش اعتمد على السجناء لإنشاء أنفاقه، واضطر إلى استئجار عمال من العاطلين عن العمل، وهم كثر في المدينة، وكان يشترط عليهم عدم الحديث عما يفعلونه تحت طائلة عقوبة الإعدام، لمن يتحدث عن هذا العمل.

وتم نقل حمد وبقية السجناء، ومعظمهم من السكان المحليين، إلى بناء خالٍ من السكان، وفي إحدى الغرف شاهدوا فتحة في الأرض دخلوا بها فإذا بها تقودهم إلى درج نزلوا به إلى نفق كبير يؤدي إلى متاهة كبيرة من الأنفاق الأخرى. وقال سجين آخر اسمه عدنان وهو صديق لحمد، إن تنظيم «داعش» بدأ بناء شبكة من الأنفاق تحت الأرض بداية عام 2015، بعد أن توقفت انتصارات التنظيم وواجه هجمات قوية من الأكراد بدعم من التحالف الدولي. وللابتعاد عن قصف التحالف قرر عناصر التنظيم الاختباء تحت الأرض.

وقلة من سكان الرقة كانوا يدركون أمر هذه الأنفاق التي تم حفرها تحت مدينتهم، وحتى حمد نفسه الذي اعتاد التجوال في شوارع المدينة بدراجته النارية لم يكن لديه أدنى فكرة عنها. وكانت مداخل هذه الأنفاق في مبانٍ هجرها أصحابها. ويقول حمد في وصفه ما شاهده تحت الأرض في الرقة «اعتقدت أن ثمة مدينة كاملة تم إنشاؤها تحت الأرض، ويبدو أنهم احتاجوا إلى جيش من العمال لإنجاز هذه الشبكة».

وكان من غير المسموح به بالنسبة للسجناء الحديث أو السؤال عن هذه الأنفاق، خصوصاً أن العديد من مسلحي «داعش» كانوا من الغرباء ويبقون في صمت دائم. ولكن حمد سال ذات يوم أحد المسلحين، وكان من أبناء المدينة، عن هذه الأنفاق فأجابه بأنها وسيلة لنجاة مسلحي «داعش» في الأوقات الحرجة.

وكان تنظيم «داعش» يعتمد على السجناء لإنجاز إنشاء هذه الأنفاق، ولكنه اضطر إلى استئجار عمال من العاطلين عن العمل وهم كثر في المدينة، وكان يشترط عليهم عدم الحديث عما يفعلونه تحت طائلة عقوبة الإعدام لمن يتحدث عن هذا العمل. وكانوا يأخذون العمال معصوبي الأعين إلى مكان ليس بعيداً، ومن ثم يبدؤون العمل الذي كان يستمر لـ10 ساعات. ويتذكر أحد العاملين في الأنفاق من سكان المدينة، وهو خلف علي، كيف أنه شاهد غرفاً عدة قيد البناء، إضافة إلى مبانٍ كانت جاهزة. وكان يحظر على فرق العمال الحديث مع بعضهم بعضاً، ولكن خلف سأل أحد مسلحي «داعش»، وهو من سكان الرقة من هو صاحب فكرة إنشاء هذه المنازل تحت الأرض، فأجابه هذا الأخير «إنهم إخوتنا القادمون من أفغانستان، وبهذه الطريقة تمكنا من صد وإفشال العديد من الهجمات الكردية».

وتمكن خلف وحمد اللذان لا يعرفان بعضهما بعضاً من الهرب بصورة منفصلة من الرقة، خلال الأسابيع الأولى من الحصار. وهرب الرجلان خلال الساعات الأولى من الصباح، حيث كانا يتنقلان مع مجموعتين من الرجال من منزل إلى آخر، حتى تمكنا من الهرب من المدينة. وبعد خروجهما من الرقة اعتقلتهما قوات سورية الديمقراطية من أجل التحقيق معهما، للتأكد من أنهما ليسا مخبرين لمصلحة تنظيم داعش، ومن ثم نقلا إلى معسكر للمهجرين في عين عيسى شمال الرقة.

وكان حصار الرقة، المدينة الصغيرة على ضفاف نهر الفرات، التي لا يزيد تعداد سكانها قبل الحرب على 300 ألف نسمة، قد بدأ منذ أربعة أشهر. وكان تعصب مقاتلي «داعش» وإصرارهم على القتال من الأسباب التي منعت سقوط المدينة بسرعة، ولكن ذلك وحده ليس كافياً لوقف تقدم قوات سورية الديمقراطية، التي كانت الطائرات الأميركية تقدم لها الدعم. لقد كانت شبكة الأنفاق التي تصل العديد من الملاجئ المحصنة تحت الأرض، والمخابئ الأخرى وطرق الهروب المخفية تحت الأرض هي السبب الرئيس لصمود مقاومة مقاتلي «داعش». وكان مقاتلو «داعش» قادرين على التنقل بسرعة تحت الأرض وتغيير مواقعهم، قبل أن يتم اكتشافهم وضربهم عن طريق طائرات الائتلاف الدولي. وكما كانت الحال في الموصل، فقد تمثلت الطريقة الوحيدة لتقدم المهاجمين دون التعرض لخسارات كبيرة هي الطلب من طائرات الائتلاف القيام بقصف عنيف على المدينة، ما أدى إلى تدميرها بصورة شبه كاملة. وقال أحد قادة قوات سورية الديمقراطية، مظلوم كوباني، إن «داعش» كان يستخدم خليطاً من القناصين والانتحاريين التفجيريين وقصف المدافع والألغام، إضافة إلى المفخخات كي يصيبوا أعداءهم بأضرار جسيمة. ورغم كل ذلك فإن تكتيك الحركة الخفيفة لم يكن كافياً لإنقاذ التنظيم الذي يتعرض للهزائم المتواصلة في العديد من الجبهات.

وجاءت قوة تنظيم داعش من طريقته في دمج الطائفة الدينية مع الماكينة الحربية، إلا أن ضعفه جاء من كونه اعتبر جميع العالم أعداءه، الأمر الذي يعني أنه سيكون دائماً الأضعف في القوة النارية وفي عديد المقاتلين. ونتيجة عدم وجود أي حلفاء والتعامل دوماً بالعنف، لم يسمح ذلك لأي دولة بأن تتحالف معه وتجد أي شيء مشترك معه. ولذلك فإن هذا التنظيم ظل منبوذاً من العالم كله، وبات الآن يلفظ الأنفاس الأخيرة في العراق وسورية.

مواد ذات علاقة