الإمارات اليوم

عبر عملية عسكرية كبيرة أخرى في إدلب

تركيا تسعى إلى تثبيت وجودها وتوسيع سيطرتها في سورية

:
  • ترجمة: عوض خيري عن «ستراتفور»
  • أردوغان يصرح بأن القوات التركية ستكون مدعومة من روسيا. أ.ف.ب
  • سوريون يهرعون خارج سورية عبر الحدود التركية. أ.ف.ب

بعد أسابيع من بدء نشر القوة التركية بأعداد كبيرة على طول الحدود مع سورية، المتاخمة لمحافظة إدلب، بدأت أنقرة عملية عسكرية كبيرة أخرى في هذا البلد الذي تمزقه الحرب. وعلى عكس عملية درع الفرات التي استهدفت الأراضي التي يحتلها تنظيم داعش، تم توجيه هذه العملية نحو الأراضي التي يحتلها الثوار السوريون. ونظراً لتعقيدات الصراع في سورية، ستجد القوات التركية المتقدمة داخل إدلب المساعدة من مجموعات ثوار سوريين آخرين دربتهم تركيا لفترة طويلة من الزمن، في محافظة حلب المجاورة. ووفقاً لتصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الأخيرة، فإن هذه القوات ستكون مدعومة من الطيران الروسي.

تحول كبير

إذا وضعنا بعين الاعتبار أن تركيا ظلت لسنوات عدة تقدم الدعم المباشر لفصائل الثوار في إدلب، في معركتهم المناهضة للقوات المدعومة من قبل روسيا وإيران، فإن الغطاء الجوي الذي ستقدمه روسيا للقوات التركية المتقدمة داخل سورية، يبدو متنافراً في ظاهره مع واقع تلك الاحداث. غير أن هناك إشارات تحول كبير في التوجه التركي بشأن سورية، وأصبح هذا التحول واضحاً قبل فترة قصيرة من الوقت، وتتمثل أولى إشاراته في تخلي تركيا عن الدفاع عن الثوار في حلب، لصالح عملية درع الفرات في وقت متأخر من عام 2016. وحدث ذلك وسط تحسن مطرد في العلاقات بين أنقرة وموسكو، على الرغم من أن كلا الجانبين حافظ على مفهومه المختلف بشأن الحرب الأهلية السورية، على الأقل من حيث المبدأ. كما أن هناك مزيداً من الإشارات تصب في هذا الاتجاه خلال هذا العام، ويتمثل ذلك في انخفاض الإمدادات التركية إلى فصائل الثوار الرئيسة بشمال سورية، خصوصاً في إدلب. وركزت تركيا مواردها بدلاً من ذلك، من أجل تطوير قدرات حلفائها من الثوار السوريين، الذين يقعون مباشرة تحت سيطرتها، ويعملون كجزء من عملية درع الفرات في شمال محافظة حلب.

التحول الكبير

الخطر الكبير

أي عملية تركية في مقاطعة إدلب لا تخلو من مخاطر كبيرة. وفي الواقع، هناك احتمال بأنها قد تعود بنتائج عكسية على أنقرة. أولاً: ليس هناك ضمان في أن مثل هذه العملية قد تؤدي إلى مزيد من مساعدة روسيا لتركيا، لضرب وحدات حماية الشعب وبالتالي قوات سورية الديمقراطية، حيث إن موسكو، بعد كل شيء، تحافظ على علاقاتها مع الأكراد السوريين، بل إنها وقفت في وجه العمليات التركية ضد الأكراد في الماضي. وعلاوة على ذلك، قد تجد تركيا وحلفاؤها من الثوار المحليين أنفسهم يتصارعون ضد مقاومة شديدة، من مقاتلي هيئة تحرير الشام، وكثير منهم من السكان المحليين، ويعملون في أرض أكثر تحدياً من الناحية الجغرافية من تلك التي واجهتها تركيا ووكلاؤها، خلال عملية درع الفرات. ومع ذلك، يبدو أن تركيا تريد خوض المزيد مع المخاطر، لأنها تسعى لتوسيع وجودها وسيطرتها في سورية، سعياً لتحقيق أهدافها الكبرى.


• كل انتصار يحققه الموالون لإيران وروسيا، من شأنه أن يعزز سيطرة الحكومة السورية على شمال البلاد، ويقلص بدوره قدرة تركيا على التأثير في الأحداث بالبلاد.

ويجيء أكبر تحول في موقف تركيا خلال مؤتمر أستانا، حيث تتفاوض تركيا مطولاً مع روسيا وإيران في عدد من الجولات في العاصمة الكازاخستانية على إقامة عدد من مناطق «خفض التوتر» في سورية. وساعدت هذه المفاوضات أيضاً على إقامة مناطق «خفض توتر» في إدلب.

ويمكن تفسير موقف تركيا المتغير، خلال الأشهر الـ18 الماضية، والذي توجته الآن بعملية عسكرية في الأراضي التي يسيطر عليها الثوار، اعتماداً على ثلاثة عوامل رئيسة. ويتمثل العامل الأول في إدراك أنقرة أن الثوار الذين تقدم لهم الدعم على وشك أن يخسروا الصراع لصالح قوات الثوار الموالين لإيران وروسيا. فكل انتصار يحققه الموالون لإيران وروسيا من شأنه أن يعزز سيطرة الحكومة السورية على شمال البلاد، ويقلص بدوره قدرة تركيا على التأثير في الأحداث بالبلاد.

ثوار مستقلون

العامل الثاني يتمثل في تنامي قوة مجموعات ذات التوجه المستقل، مثل هيئة تحرير الشام في شمال سورية، خصوصاً في محافظة إدلب. ففي الوقت الذي تتعرض فيه قوات الثوار لهزائم متعاقبة ويصيبها، أكثر من أي وقت مضى، اليأس من الحصول على إسناد خارجي كافٍ، يتناسب مع مستوى الدعم المباشر الذي تقدمه إيران وروسيا للقوات الموالية لهما في ساحة المعركة، كلما أصبحت تلك القوات بشكل متزايد عرضة للهرب، والانضمام إلى جماعات متشددة ذات إدارة وتنظيم أفضل، وينطبق ذلك على هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم «القاعدة». ويتسارع هذا الاتجاه في الأشهر الأخيرة مع نهاية برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، التي كانت تدعم جماعات من الثوار في سورية بأسلحة رئيسة مثل الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات. وخلافاً للمجموعات السورية التي تدعمها تركيا - وفي السابق من قبل الولايات المتحدة - في شمال سورية، لا ترى هيئة تحرير الشام أي مبرر لربط مصالحها الخاصة بأنقرة. وبالفعل، فقد سيطرت هيئة تحرير الشام في الأشهر الأخيرة على محافظة إدلب، عن طريق القضاء على الجماعات المدعومة من تركيا. وبالنسبة لتركيا، يهدد صعود هيئة تحرير الشام في إدلب بالقضاء التام على التأثير القليل الذي تبقى لها - أي تركيا - في المحافظة.

وأخيراً، والأهم من ذلك، فقد أعطت تركيا الأولوية وباستمرار لهدفها المتمثل في تقويض القوى الكردية في سورية، على رغبتها في تغيير النظام في دمشق. وقبل أن تبدأ الولايات المتحدة في تقديم الدعم لقوات سورية الديمقراطية، التي يهيمن عليها الأكراد، في عام 2015، وقبل أن يبدأ الموالون باستعادة زخم الصراع في العام نفسه، كان بإمكان تركيا تقويض الأكراد والسعي لتغيير النظام في دمشق من خلال دعمها قوات الثوار. ومع ذلك، ففي الوقت الذي بسطت فيه القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة سيطرتها على شمال سورية، وبدا أن قبضة الثوار قد تراخت على هذه المناطق بسبب الهجمات المتتالية للقوات الموالية لإيران وروسيا، لم تعد تركيا تعتمد على قوات المتمردين الضعيفة، لهذا رفضت أن تكون لهم بمثابة حائط صد ضد الأكراد، أو أن تكون طرفاً غير مباشر في إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وتحقيقاً لهذه الغاية، أعطت أنقرة أولوية متزايدة لتحسين العلاقة مع موسكو، على أمل أن يؤثر ذلك في مواجهتها للأكراد. وعلى سبيل المثال، لاتزال تركيا تأمل التوصل إلى اتفاقية مع روسيا تساعدها في شن عمليات في وقت لاحق، ضد القوات المعروفة باسم وحدات حماية الشعب في عفرين، والتي لاتزال محصنة بفضل الوجود الروسي.

مواد ذات علاقة